يقول أبو قتادة:"تأمل هذا كثيرا فستحتاجه في أغلب مسائل العلم، وأهمية هذه الكلمات لا يقدرها الا من مارس العلم وعاناه".
ويقول ابن حزم رحمه الله تعالى [1] :"وليعلم من قرأ كتابنا هذا أن منفعة هذه الكتب ليست في علم واحد فقط، بل في كل علم، فمنفعتها في كتاب الله تعالى وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم وفي الفتيا في الحلال والحرام والواجب والمباح من أعظم منفعة، وجملة ذلك في فهم الأسماء التي نص الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عليها، وما تحتوي عليه من المعاني التي تقع عليها الأحكام وما يخرج عنها من المسميات، وانقسامها تحت الأحكام على حسب ذلك، والألفاظ التي تختلف عبارتها وتتفق معانيها، وليعلم العالمون أن من لم يفهم هذا القدر فقد بعد عن الفهم عن ربه تعالى وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجز له أن يفتي بين اثنين لجهله بحدود الكلام [2] ، وبناء بعضه على"
(1) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (كما في:(رسائل ابن حزم الأندلسي) (4/ 102) ، الرسالة الثانية من الجزء الرابع:"التقريب لحد المنطق"تحقيق: الدكتور إحسان عباس، من مطبوعات المؤسسة العربية للدراسات والنشر).
(2) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (والسلف كانوا يتورعون عن الفتيا، واليوم أحدنا يُسأل فتوى لو سئل عليها ابن الخطاب-رضي الله عنه-لجمع لها أهل بدر، لكن بعضهم قرأ كتابًا واحدًا فيأخذ منه الحكم ويفتي في المسائل العامة التي هي من مزالق الأقدام، على أن ناقل الفتوى لا يعتبر مفتيًا، ولكن أعني من أراد أن يطير ولما يُرَيِّشْ، نقول له:(حكيتَ ولكن أين الشنب) ، وهذا من عجز بيت ابن الخِيمي: (لقد حكيت ولكن فاتك الشنب) .
انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (15/ 557/رقم:346) . وقد ذكره شيخنا العلامة محمد بوخبزة-حفظه الله-في: (صحيفة سوابق وجريدة بوائق) (ص:39) من مطبوعات دار التوحيد والنشر (الرياض) ، دون أن يعزوه لأحد، وأتمثل ببيت لي هنا من قصيدة طويلة قلتها داخل سجن تطوان، وفيه أقول:
فَالحَقُّ أَبْلَجْ يَا فَتَى لاَ تَسْأَلاَ * يَا مَنْ حَكَى أَيْنَ الشنَّبْ قَدْ مَاطَلاَ
وحتى لا أُبعد النجعة، وأترك المعنى في بطن الشاعر، أرجع وأقول: الاجتهاد الفردي مع وجود العلماء، والترجيج المتسرع، وإصدار الفتاوى بمجرد قراءة كتاب أو: كتابين جناية عظيمة على الشرع، أفرزت هذه الجناية حالات شاذة، الإعاقة الفكرية، وزيادة التمزق في صف الأمة، وهذا ناتج عن فهمهم القاصر والفقير للنصوص الشرعية، مما دفعهم للتمرد على العلماء، فترتب على ذلك ضلال وإضلال، وضرر وأوضار، وانحراف وانجراف، واتباع للهوى، والتعصب المقيت للأفكار والمناهج الجديدة، وتقديس الأشخاص والأشرار، أو: الأخيار، وغالبًا ما يكون: (إفساد الظاهر دليل على إفساد الباطن) ، وما أجمل قول الحافظ النووي، وابن حجر الهيتمي-بالتاء-كما في: (الفتاوى الحديثية) (ص:30) :"من رأى المسألة في عشرة كتب مثلًا، لا يجوز الإفتاء بها لاحتمال أن تلك الكتب كلها ماشية على قول، أو: طريق ضعيف".
قال الإمام ابن القيم-رحمه الله تعالى-في كتابه: (إعلام الموقعين) (3/ 370) : (ومَنْ أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب؛ على اختلاف عُرفهم وعوائدهم، وأزمنتهم وأمكنتهم، وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضلَّ وأضل) ... ).
انظر شروط من يتصدر للفتوى في: (بحوث وفتاوى إسلامية في قضايا معاصرة) (3/ 521/525) ، و (4/ 423 - دار الحديث بالقاهرة) لشيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق.