ولما كان هذا الطلب فيه مشابهة للمشركين كما هو في الظاهر من الحديث، وكما هو فهم ابن تيمية والشاطبي، والمشركون يعتقدون في المكان أن فيه البركة استقلالا، أو: ادعاء على الله وكذبا، منع منه المسلمون.
لكن لو قيل: فكيف قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلتم كما قالت بنوا اسرائيل:"اجعل لنا إلها كما لهم آلهة" [1] .
فالجواب: هذا كله من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه أو: ببعضه (كما تقدم في المقدمة الثانية) ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم لرجل قال له:"ما شاء الله وشئت" [2] .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اجعلتني لله ندا؟ [3] ".
والجاهل يحمل هذا على الشرك الأكبر، لقوله صلى الله عليه وسلم في تفسير الشرك [4] :"أن تجعل لله ندا وهو خلقك" [5] .
(1) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (سورة الأعراف، رقم الآية:138) .
(2) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (وللحافظ ابن القيم كلام جيد في الموضوع في:(مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) (1/ 426/427) تحت: (فصل: وأما الشرك الأصغر) دار العالمية للنشر والتوزيع، تحقيق: محمد بن فريد، أو: (2/ 924 - دار الصميعي) تحقيق ودراسة: جماعة من المشايخ).
(3) - هذا الحديث ورد بألفاظ مختلفة: رواه أحمد في مواضع من: (مسنده) (1/ 214/224/ 283/347 - بلفظ:"أجعلتني لله عدلًا") ، وابن ماجه في: (سننه) (1/ 684/رقم:2117 - نحوه) ، في كتاب الفارات، باب: (النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت) ، والبخاري في: (الأدب المفرد) (رقم:783) ، وإسناده حسن، والطحاوي في: (المشكل) (1/ 90) ، والبيهقي في: (السنن الكبرى) (3/ 186/1) ، والطبراني في: (المعجم الكبير) (12/ 244/رقم:13005/ 13006) ، وأبو نعيم في: (الحلية) (4/ 99) ، والخطيب في: (التاريخ) (8/ 105) ، وابن عساكر (12/ 7/2) ، وتوسع في تخريجه المحدث الألباني في: (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (1/ق1/ 266/رقم:139) ،
(4) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (وذلك عند ما سئل النبي-صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم-: أي ذنب أعظم يا رسول الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك) متفق عليه.
وقد قلت في كتابي: (مجموعة الرسائل في أهم المسائل) (ص:518) تحت عنوان: (تعريف الشرك الأكبر والأصغر) : (الشرك عند أهل اللغة: مأخوذ من المشاركة والاشتراك، يقال: شاركت فلانًا أي: صرت شريكه، والشرك يكون بمعنى الشريك، وبمعنى النصيب، وجمعه أشراك، وشركه في الأمر يشركه دخل معه فيه، وأشركه معه فيه وأشرك فلانًا في البيع إذا أدخله مع نفسه فيه. انتهى من(تهذيب اللغة) (10/ 16) ، و (لسان العرب) (10/ 448) ، و (تاج العروس) (7/ 147) .
وأما من حيث الاصطلاح فهو جعل شريك لله في ربوبيته، أو: ألوهيته، أو: أسمائه وصفاته، وقال بعضهم: (هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله) فكل من صرف نوعًا من أنواع العبادة القولية والعملية، الظاهرة والباطنة فقد أشرك معه غيره-عياذًا بالله-والشرك علة في الأرض يجب أن تنفى، لأنه أعظم ذنب عصي به الله تعالى، وهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وصاحبه موجب للخلود في النار، وهو الذنب الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، والتخلص من الشرك وآثاره المؤدية إليه.
والشرك الأكبر: رديف الكفر الأكبر-الذي سبق الحديث عن تعريفه وأنواعه في الرسالة الثانية-، ويترتب عليه كل ما يترتب على الكفر الأكبر؛ من حيث إنه يحبط العمل كليًا، ويخرج صاحبه من الملة، ويخلده في نار جهنم أبدًا، ولا تنفعه شفاعة الشافعين.
(5) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: أخرجه أحمد في: (مسنده) (1/ 434/رقم:4131) ، والبخاري في: (صحيحه) (4/ 1626/رقم:4207) ، ومسلم في: (صحيحه) (1/ 90/رقم:86) ، وأبو داود في: (2/ 294/رقم:2310) ، والترمذي في: (جامعه) (5/ 336/رقم:3182) ، والنسائي في: (سننه) (7/ 89/رقم:4013) . انتهى من هامش كتابي: (مجموعة الرسائل في أهم المسائل) (ص:518) .