الصفحة 29 من 83

قال الشيخ أبو قتادة:"أما بيان تعدد مراتب الولاء والبراء، وقول أهل العلم فإليك أقوالهم:"

يقول ابن تيمية في مراتب الموالاة، وأنها ليست مرتبة واحدة:"إن شُعَب الإيمان قد تتلازم عند القوة ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أوجب بغض أعداء الله كما قال تعالى: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء (. [1] وقال: (تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (. [2] ، وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبًا ينقص إيمانه به، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة [3] لما كاتب المشركين"

(1) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (سورة المائدة، رقم الآية:81)

(2) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (سورة المجادلة، رقم الآية:22) .

(3) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: قال الخطابي في: (أعلام السنن في شرح صحيح البخاري) (1/ 147 - باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر) : (هذا فيمن سب رجلًا بغير تأويل، أو: قاتله على غير معنى من معاني أمر الدين، يتأوله في قتاله، ويدخل في هذا المعنى من كفر رجلًا مسلمًا على غير مذهب يحتمل التأويل، فأما من فعل شيئًا منه متأولًا به معنى يحتمله وجه الكلام، ضربًا من الاحتمال في تحقيق الأمر من أمور الكفر، أو: تشبيه له به، أو: تقريب في بعض معانيه، كان خارجًا عن هذا الحكم، ألست ترى أن عمر بن الخطاب-رضي الله تعالى عنه-لما قال لرسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-في أمر حاطب بن أبي بلتعة-رضي الله تعالى عنه-، حين كتب إلى قريش يخبرهم بشأن رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، وبقصده إياهم:"دهني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق"، فلم يعنفه رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-:"لا تقل ذلك، أليس قد شهد بدرًا؟ وما يدريك؟ لعل الله(قد) اطلع على أهل بدر، فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم-هذا طرف من أحاديث متعددة، أخرج بعضها البخاري في: (صحيحه) باب: فضل من شهد بدرًا".

فبرأه رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-من النفاق، وعذر عمر فيما تناوله به من ذلك القول، إذ كان الفعل الذي جرى منه مضاهيًا لأفعال المنافقين الذين كانوا يكيدون رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، ويعاونون عليه كفار قريش.

وكذلك قصة معاذ بن جبل-رضي الله تعالى عنه-حين افتتح في صلاة العشاء بسورة البقرة، فخفف رجل صلاته خلفه لعذر كان له، فلما لقيه معاذ قال له:"نافقت"، فعذره رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-في ذلك بعد أن قال:"أَعُدْتَ فتَّانًا"، وأمره بتخفيف الصلاة إذا كان إمامًا-أخرجه الإمام البخاري في: (صحيحه) من حديث جابر بن عبد الله-رضي الله تعالى عنهما-في كتاب الأذان، باب: إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى.

وعلى هذا المعنى يتأول قول النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-:"إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما-أخرجه البخاري في: (صحيحه) من حديث أبي هريرة-رضي الله تعالى عنه-تحت: باب: من كفر أخاه بغير تأويل".

وذلك إذا كان هذا القول منه خاليًا من وجه يحتمله التأويل، فإنه لا يبقى حينئذ هناك شيء يعذر به فيحمل أمره على أنه رآه وهو مسلم كافرًا، ورأى دين الإسلام وهو حق باطلًا، فلزمه الكفر لذلك، إذ لم يجد الكفر محلًا ممن قيل له ذلك.

وقوله: (وقتاله كفر) ، فإنما هو على أن يستبيح دمه، ولا يرى أن الإسلام قد عصمه منه وحرمه عليه، فيكون مرجع ذلك إلى اعتقاده أن الله عز وجل لم يحرم دماء المسلمين بغير حقها، ومن أنكر شيئًا من معاظم أمر الدين المجمع عليه، المستفيض في الخاص والعام عِلْمُه، كفر بذلك.

وقد يتأول هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث، على وجه التشبيه لأفعالهم بأفعال الكفار، من غير تحقيق للحكم فيه، ومن غير إلحاق لهم بأهل الكفر، إذا كان فاعله مضاهيًا به فعل الكفار، لقوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) -أخرجه الشيخان في: (صحيحيهما) ، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه عن جرير، ورواه أبو داود عن ابن عمر، والبخاري والنسائي عن أبي بكرة، والبخاري والترمذي عن ابن عباس-أي: لا تكونوا كالكفار الذين من شأنهم وعادتهم أن يضرب بعضهم رقاب بعض، وما يشبه ذلك قوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (كُفْرٌ بالله انْتِفاءٌ مِن نسبٍ وإن دَقَّ، وادِّعاءُ نسبٍ لا يُعرَفُ-رواه البزار عن أبي بكر-رضي الله عنه-وفيه مقال، وإن حاول السيوطي في:(الجامع الصغير) (2/ 152) تحسينه).

وهذا لا يوجب أن يكون مَن فَعَل ذلك كافرًا به، خارجًا عن الملة، وإنما فيه مذمة هذا الفعل، وتشبيهه بالكفر على وجه التغليظ لفاعله ليجتنبه فلا يستحله، ومثله في الحديث كثير).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت