وقبل الخوض في بيان وجه الصواب بين القولين - فيما أظن - هو أن تسمية النازل بعد الهجرة مهما كان موضوعه مدنيًا قد يكون سبّبَ الالتباس هنا في تحديد مكان النزول. فالسورة تتحدث عن حالة واضحة، بيّنة في موضوعها؛ وهي معالَجة معوِّقات الهجرة إلى أرض الجهاد، فهي إذن تتحدثُ عن البلاء الواقعِ أو المتوقّع لهؤلاء المؤمنين الذين مازالوا لم ينفروا إلى أرض المدينة التي صارت أرض جهادٍ علميٍّ وعمليّ.
لا يُجعل مباحِثها لمجتمعٍ مدنيٍّ خالص، وكذلك لا يُجعل مباحِثها تتحدث عن بلاء المؤمنين بسبب إيمانهم في مجتمع الكفر والشرك فقط، ولذلك فهذه السورة تعيش حالة خاصة، هي دعوة البيئة المؤمنة لمن تأخر عن النفير إليها بسبب عوائق، حالةٌ كالوالدين وتزيين المشركين بالقعود، أو عوائق مستقبليّة مثل بلاء الجهاد وآلامهُ وتكاليفه، وبلاء الصراع مع الأقربين لهذا المجتمع من أهل كتابٍ ومنافقين.
وإذا تبيّن هذا لمن تأمّلهُ على وجهه الصحيح، عَلِم أن السورةَ نازلةٌ بعد الهجرة فهي مدنيّة بهذا الاعتبار، ولكنها تعالج موطنًا قد خُلّف بعد الهجرة وهو حالة مكيّة، فهي مكيّة بهذا الاعتبار. لكن لمّا كان المصطلح قد جرى بين أهل العلم أن القرآن المدني هو ما نزل بعد الهجرة، وأن القرآن المكي نزل قبل الهجرة، فإن من جزم بأنها مدنيّة هو المصيب مع ما اضطره إليه ناظرٌ آخر أن يرى في بعض آياتها أنها مكيّة، وهناك من نظر لآيات السورة بانفراد فقالَ بما أوصله نظره على تقسيم آياتها بين الأمرين - أي فيها آيات مدنيّة وأخرى مكيّة -.
هذه الحالة التي نزلت تعالجها هذه السورة يجعل لها خصوصية الخطاب الذي يخرج بين ظرفين، لكنه لقومٍ معنِيين هم وقوفٌ لم يتجاوزوا قنطرةً سامِقة تمثّل وجود إسلامي متكرر نزلت فيه هذه السورة، وسيبقى حيث بقيَت الهجرة وأسبابها ومعوّقاتها.
هذه السورة لا تُعالِج أحكامًا لموضوع الهجرة، إذ تولّت هذه المهمة آياتٌ أخرى من الكتاب كآيات سورة النساء، قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [1] } وخواتيم سورة الأنفال، في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [2] لكن هذه السورة تعالج نفوسًا وقلوبًا؛ لتدفعها إلى تجاوز المحن والمعوّقات، وهي مهمّة من المهمّات القواسم بين السور المكيّة والمدنيّة، وإن كانت أكثر وضوحًا في سور المناسبات المدنيّة لغزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - كآل عمران والأنفال والاحزاب؛ لأن السور المكية تُعالِج المدعو في إعراضه أكثر من الداعي، على خلاف بعض السور كالإسراء والكهف والشعراء فإنها
(1) النساء: 97
(2) الأنفال: 72