يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [1] وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [2] ؛ وقضيةُ الجهاد حكمٌ مدني إن أُطلق لفظُه، هذا مع اتفاقهم أن لفظ الجهاد في سورة الفرقان هو لفظٌ مكي في قوله تعالى: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [3] } وهو جهادٌ مقيّد كما هو بَيّن - أي قد ذكر الجهاد مقيدًا بالقرآن - فقوله تعالى: {بِهِ} يعود إلى القرآن الكريم. وأمّا في هذه السورة فالجهاد مُطلق، وأهل التفسير يفسرونه بقتال المشركين لا غير.
2.ذُكر في هذه السورة لفظ النفاق، كما في قوله تعالى: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [4] والنفاق لا يُعرف البتّة في مكة، إنما هو حالة مدنيّة ظهر بعد استقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيها بعد هجرته.
3.ذُكر في السورة حالة مدنيّة، وهي مجادلة أهل الكتاب كما في قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [5] والاستثناء هنا إما يعود إلى الجدال، فيكون المسلم مأمورًا بترك جدال الظالم منهم، وإما يعود إلى قوله تعالى: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، فيكون القتال كما هو قول المفسرين، وبعضهم لم يذكر غير هذا الوجه كالطبري وابن كثير. وعلى القولين فإن هذا من مباحث الوضع المدني لا المكي.
4.ذُكر في السورة مباحث وأحكام، وجودها هنا يجعلها ألْيَق بالسور المدنيّة، ومن ذلك أمره - سبحانه وتعالى - للمؤمنين بالإحسان إلى الوالدين، كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [6] والأمرُ بالصلاة وآثارها على المسلم والمجتمع المسلم، كما في قوله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [7]
فهذه بعض ما يحتج به للقائلين بمدنيّة السورة.
(1) العنكبوت: 6
(2) العنكبوت: 69
(3) الفرقان: 52
(4) العنكبوت: 11
(5) العنكبوت: 46
(6) العنكبوت: 8
(7) العنكبوت: 45