تتحدث عن مصائر المعرضين ومن مقاصد ذلك تثبيت الداعي والمؤمن، وفيها نذارة المعرض المشرك، أمّا سورة العنكبوت فإنها تكادُ تكون خالصةً في معالجة قضية الهجرة من جهة عوارضها النفسية.
ومما ينبغي أن يدركه الناظرُ لكتاب الله تعالى حين يتحقق له الاعتبار والاتعاظ أن يتعامل مع القرآن في مستويات متعددة، فالنظر إلى كل آية على حِدَة فقط يحقق بعض الاعتبار والعلم ولا يحقق كل مقاصده، بل إن متعة التلاوة المطلوبة قد تفوته هنا، فإن أراد هذه المتعة التي تتحقق بالقراءة كما يشعر عند قراءة سورة يوسف أو قصة مؤمن آل فرعون في سورة غافر فإن عليه أن يقرأ الكثير من السور وخاصة المكيّة كوحدة واحدة تتحدث عن باب من أبواب العلم. ولإدراك هذا لا بُدَّ من معرفة الأسلوب القرآني، وهو أسلوبٌ عربي يعرفه أهل العربية في نظمهم الخاص، وكما شكى العارفون بالشعر ومعانيه من مزاعم الدعوى الباطلة أنّه لا يوجد وحدة موضوعية في القصيدة العربية، فكذلك هناك من يزعم هذا الزعم في كتاب الله تعالى، وسبب حصول هذه الدعاوى الباطلة هو جهل القارئ بأسلوب الخطاب، وأعان على ذلك كتب الشروح؛ لأن كتب شروح العربية في التفسير وغيره تتعامل في معظمها إمّا مع اللفظ وشرح غَريبة، وإما مع الشطر منفردًا عن الكل، كالبيت الواحد في القصيدة أو الآية في السورة، وهذا يُبعد ما يسمى بالوحدة الموضوعية للقصيدة أو السورة، ونحن إذْ نقرن بين الإثنين؛ لأن المعاناة واحدة، ولأن القرآن عربي مبيّن ومعجز لأقوام أعظم كلامهم هو القصيد والشعر. وقد حاول بعض أهل العلم رأب هذا الأمر فنشأ ما يُسمّى بـ «علم المناسبة» أي: مناسبة الآية للآخرى، ومناسبة السورة لِما قبلها وما بعدها.
لقد حاول سيّد قطب - رحمه الله - أن يتعامل مع السورة كوحدة، وقد أتى بخيرٍ كثير، إذْ لا أعلم أحدًا سبقه في تقسيم السور إلى مهمات كرؤى يقدمها بين يدي السورة، وإن كان قد بقي الكثير في هذا الباب مما لم يقله وقد اعتمد في ذلك على ذوق خاص رفيع لكنه كان مقيدًا بأمور تتعلق باهتماماته وقدراته القاصرة على الأدب واللغة دون السيرة والفقه والحديث، فجزاه الله خيرًا إذْ نصح وجاهد وبلّغ وجدّد.
دراسة النظم القرآني خاصة والنظم العربي عامة؛ لإدراك مهمة السورة الواحدة يحتاج إلى مؤلف منفرد، ولكن لإدراك بعضه هنا مما يعين طالب العلم فإني أُحيل القارئ إلى كتاب الأستاذ الكبير محمود شاكر [نمطٌ صعب ونمطٌ مخيف] ، إذْ فيه بعض الإرشادات المهمة والجليلة في هذا الباب.
وللاعتراف بالفضل لأهله فما قاله الأستاذ هناك هو الذي شكّل البدايات الأولى عندي لتذوق القرآن في هذا الاتجاه، وقد طبّقتُ هذا على سورة فُصّلت، وكتبتُ في ذلك مقالًا سريعًا يُلائم الحال، ونُشر في مجلة نداء الإسلام وكان بعنوان [طبقات الملحدين مع القرآن الكريم] ،