فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 186

وأرجو أن أعود إلى هذا الأمر بتوسّع وتمثيل يقرّب المراد والله الهادي.

إذن قراءة سورة العنكبوت كوحدة تتعلق بمعالجة حالة إيمانية للجماعة المهتدية التي ثقلت بها أمور عن تجاوز قنطرة الهجرة يكون من خلال قراءتها بعدة مستويات:

1.فألفاظها تكشف لنا أنها سورة مدنية كوجود لفظَيّ النفاق والجهاد.

2.وبيّنتها في آياتها منفردة تنبئ عن معالجة قضايا متعددة تتعلق بقضية الابتلاء في ظرفه الحالي والمستقبلي للمقيم والمهاجر.

3.وصَبغتها العامّة تدلُّ على عنوانٍ واحد، هو الابتلاء لقضيةٍ خاصة، كان فيها الجمع للحالتين المكيّة قبل الفتح، والمدنيّة بعد الهجرة.

4.ولعلَّ جزمَ من جزَم بأنها مكيّة خالصة كان دافعه حديث السورة عن سيرة الأنبياء مع أقوامهم، فقد تحدّثت السيرة عن نوح وإبراهيم ولوط - عليهم السلام -، وقد فات هؤلاء إن سياق القصة القرآنية لهؤلاء الأنبياء في هذه السورة كان كاشفًا عن قضيةٍ تتعلق بالرزق وبالهجرة وبعاقبة الديار المقيمة على الكفر. وكان الحديث عن العاقبة فيه النذارة للبقاء في وسطهم، فديارهم ديار هلاك وخراب، ومن بقي فيها ظانًا أن فيها الأمان أكثر من الوضع الذي سيستقبله في دار الهجرة هو واهمٌ مخطئ، فهذا الأمان الحالي زائلٌ ولا يدوم، ولذلك كان خاتمة الحديث عن هؤلاء الأنبياء وأقوامهم هو قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا [1] }

5.وأمّا حديث السورة في خاتمتها عن أمان الحرم المكي، قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [2]

فهو نذارةٌ وبشارة ... أمّا النذارة فهي تنادي أن الذي أعطى هو الذي يأخذ، فكما أعطاهم الأمان فهو قادرٌ على سَلبِه. وأمّا البشارة فهي للمؤمنين في أرض هجرتهم وهي تقول إن الذي حرّم مكة وجعلها أمانًا هو القادر على تأمين المدينة وحمايتها.

وأمّا قضية الرد على فساد الشرك في حال الأمان والدعاء الخالص حال البلاء، في قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [3] فهي ضمن القوس الذي طَمْأَن الله فيه المهاجر بضمان الرزق بعد قوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [4] فقال

(1) العنكبوت: 41

(2) العنكبوت: 67

(3) العنبكوت: 65

(4) العنكبوت: 56

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت