سبحانه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [1] } ففيها تنبيهٌ أن الأمان آتٍ للمهاجرين، وهي تحذّرهم من ترك الشُكر بسبب فتنة السرّاء.
أمّا من اعترض على أن قضيّة الهجرة في السورة قضيّة متأخرة في الذكر؛ فكيف تكون عنوانًا يُستحضَر من أول القراءة في السورة؟ فيُرد عليه بالشرح التالي:
مما يجب أن يستحضره كل قارئٍ للقرآن قراءة التدبّر لا الأماني، أن يعلم أن القرآن الكريم له مهمّة عظيمة في هذا الباب وهي مهمّة امتحان القارئ، وهو امتحان الاستنباط، وقد كشف الإمام الطبري شيئًا عن هذا المعنى في مقدمة تفسيره، وهو يُبيّن بعض قواعده في التفسير أن هناك من معانيه ما هو مخفيٌّ تحت دلالة منصوبة عليه، لا هي بنفسها نص فيه، فقال عن بعض آياته التي لا يدرك إلا بتفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له:"وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، له تأويله بنصّ منه عليه أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله."
والذي قاله الطبري في مقدمة تفسيره ذكره الشافعي قبله في كتاب [الرسالة] ، ومن نظر في المقدمة لـ [جامع البيان] ، وفي رسالة الشافعي رأى المُشابهة في المباحث؛ لأن الأمر في كليهما يتعلّق بشرح مناهج البيان العربي وإدراك معاني القول تفسيرًا وفقهًا. وموطن مشابهة كلام الشافعي لمِا قاله الطبري هو في باب البيان الخامس أولي، فهناك الموطن من أراد النظر.
فالقرآن الكتاب، كتاب هدايةٍ للخلق، وكتاب استنباط وتفكّر للعلماء المهديين منهم، والنبط والتفكر امتحانان؛ ليظهر مستوى التفاوت في العلم والفقه، وفي مسألتنا هذه فقد قال الشافعي في [الرسالة] كلمة تبيّن الجواب إجمالًا فقال رحمه الله و - رضي الله عنه:"وتبتدئ - أي العرب - الشيء في كلامها يبيّن أول لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يبيّن آخر لفظها منه عن أوله." [2] ثم قال - رضي الله عنه - لله دره أي عقل أتاه الله!:"وتكلّم بالشيء تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تعرف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها." [3]
ووالله لو جازَ السجود لكلامٍ يُتلى غير كلام الله تعالى لجازَ السجود لمثل هذا الكلام؛ ولكن أين أهل هذا الزمان منه؟
وقضية الأسلوب القرآني تتماشى مع هذه المهمة التي يشير إليها الشافعي ومن بعده
(1) العنكبوت: 60
(2) الرسالة، فقرة رقم 174
(3) المصدر السابق، فقرة 175