فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 186

الطبري؛ ولذلك فقد تعدد الأسلوب القرآني في قصصه ومواعظه وأمثاله وأحكامه، فلو صح اعتراض هذا المعترض بأن تقديم المهمّة في الابتداء هو لازم الخطاب لكان عاجزًا أن يبين للسائل سبب تأخّر أمر الله لبني إسرائيل بذبح البقرة، فقد تأخر السبب بقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [1] إلى قوله تعالى: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2] }

نعم؛ جرى القرآن في بعض قصصه على ذكر عقدة الحدث للقصة القرآنية في مطلعها، كما في سورة يوسف فقال سبحانه: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} [3] إلى قوله: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} [4]

وكما في سورة الكهف عن الفتيان المؤمنين بقوله: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [5] إلى قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [6] }

ثم بعد هذه المقدمة تأتي القصة بتفصيلاتها الهادية، ولو تفكّر المرء المُستبصر في هذا، لرأى أن هذا فيه قمة التشويق كما ليس فيه إذهاب لفضيلة الامتحان، بل فيه فضيلة الجذب والشد؛ لأن المَطْلع خفيٌّ متسائل، وفي التالي غذاءٌ مُتوالٍ يملأ العقل والنفس والقلب.

في سورة العنكبوت مَطْلع جليٌّ في حديثه عن الابتلاء عمومًا، ثم يجري بعدها على أسلوب فتح القضايا التي يعيشها المَعْنيّ، إذْ يتخفّى وراءها تحلُلًا من المواجهة بالهجرة والجهاد. والمتكلّم العليم يعلمها في نفس السامع، وسامعها لا ينكرها بل يعدُّها ليقوي بعضها في نفسه بعضًا، حتى إذا استمر في بقاء التخفّي وراء المعاذير فلا بُدَّ حينها من الملامسة القريبة للأمر، فكان قوله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [7] } فحينئذ يتحوّل الموضوع الخاص إلى عام، فلا يكون الحديث جاريًا عن بلاء الهجرة والجهاد فقط، وإن كان هو العنوان، ولكن يكون الحديث فتنة الابتلاء عامة كما يحياها المسلم في كل ظروفه.

من هنا تُفهم بعض معاني ما قيل في فوائد أسباب النزول، وإنها تُحقّق معنى ما يسمى

(1) البقرة: 72

(2) البقرة: 73

(3) يوسف: 4

(4) يوسف: 7

(5) الكهف: 9

(6) الكهف: 13

(7) العنكبوت: 56

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت