فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 186

وعذابهم وغَضَب الله وعذابه في الآخرة؛ ولذلك جاء في آية قادمة {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [1] وهذا من غرورهم وجهالاتهم وعدم تقدير حق الله ولا عذابه حق القدر، فمهما كان العناء والعذاب في الدنيا فإنه على انقِضاء مهما طالَ، وأمَّا عذاب الله فهو المقيم الذي لا ينقطع. هذا إذا حملنا هذا التهديد على الوعيد الأخروي، مع أن الآية عامة في التهديد والوعيد فإن عذاب الله مُلحق بالكافرين في الدنيا كما قال الله تعالى على لسان المؤمنين مع الكافرين: {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [2]

ثم إن الكافر والمعرض مهما بدى للناظر المخدوع أنه سعيدٌ هانئ غير مُتألم فإنه في الحقيقة لا يخلو من عذاب أو ألم، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [3] وإن ذاق بعض النعيم حينًا فإن هذا من مَكْر الله تعالى حتى إذا أخذه كان الأخذُ شديدًا مؤلمًا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله ليُمْلي للظالم حتى إذا أَخَذه لم يُفْلته ) )

وكما جاء في الحديث: (( مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح تصرعها مرة وتعدلها مرة، حتى تهيج، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها، لا يفئها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة ) )وهذه الأحاديث من فوائدها العِظام أنها تُبين بعض الفوارق بين واقع الفتن التي تُصيب الكافرين وديارهم وممالكهم، هذا مع جريان الله تعالى سننه على البشر بعدلٍ وحكمة واضطراد، هذا مع أن عزة الفتن التي تُصيب الكافرين وديارهم وممالكهم، هذا مع جريان الله تعالى سُنّته على البشر بعدل وحكمة واضطراد، هذا مع أن عزة المؤمنين ليست علوًا في الأرض لكنها شهادة على الخلق، وأما غيرهم فهو أهل علو وفساد وإفساد.

وفي هذه الآية إنذار من مكر الله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} فإن الإنسان لغروره وجهله تكون السيئة الأولى منه على حذر من أن تقع عليه عواقبها بعذاب الله، فينظر ماذا يكون، فيرى أن ما هُدِّد به من السخط لا يقع، فيأتي الثانية ويخفُّ حذره، وهكذا تكون كل سيئة مُلقية لوَهْمه في الضلال والأمن الخادع من مكر الله تعالى؛ ولذلك قال تعالى: {يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} وهي مع كلمة {يَسْبِقُونَا} تدل أن كل سيئة خطوة في الهروب والركض في وهمهم الشيطاني الخادع، وهذا كما قال تعالى: وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي

(1) العنكبوت: 10

(2) التوبة: 52

(3) طه: 124

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت