أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [1] فخدعهم صبرُ الله عليهم، ولم يروا يد الله التي تمكر بالعصاة والمستهترين بأمره؛ ولذلك فإن المنافق يرى معصية الله كذبابة استقرَّت على أنْفِه فقال بيده طاردًا فطارت، وأمَّا المؤمن فإنه يرى ذنوبًا كالجبل المُعلق على رأسه فهو يخافه ويخشاه.
ومما تحتمله هذه الآية أن عمل السيئات عند هؤلاء هو مكرهم الذي يَبْنون به منازعة الإيمان، من جلب الأنصار وتهيئة الجيوش وإعداد العدد والأموال، فيظنُّون أنهم بهذا هم في أمان من وعيد الله لهم، كما قال تعالى عنهم في سورة هود: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [2] } ، فيكون قوله - سبحانه وتعالى - هادمًا لهذا الجهل بأن يد الله ستنالهم ولا وِزْر لهم، وقد أحسن الإمام البَغَوي عندما عَدَّ هذه الآية ردًا على من جعل الوعيد الإلهي للتهديد ولا حقيقة له، فإن هذه الآية تبين حقيقة الوعيد وأنه لاحقٌ بهم ولا شك، والله أعلم.
ويقع في قلبي لهذه الآية معنى آخر لا أعرفُ أحدًا قال به من قبل، ولذلك فإني أقوله - وأستغفرُ ربي من الجهالة والضعف والذنب - وهذا المعنى يتعلق بربط هذه الآية من الوعيد الحاصل فيها ضد المُعرضين بحقيقة البلاء الواقع على المؤمنين، وأن الوعيد فيها يُحتمل للدنيا والآخرة كما تقدَّم، وأن فتنة المؤمنين هي سبب حصول الوعيد فيهما، فأمّا أن الفتنة للمؤمنين تكون سببًا لعذابهم في الدنيا، فلأن الفتن والابتلاءات هي طريق النصر والتمكين ودمار الكافرين، وأما أنها سبب لعذابهم في الآخرة فإن ما يفعلونه هو من إقامة الحجة عليهم ومن زيادة لا عذاب عليهم، فتكون هذه الآية {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} هي إحدى علل البلاء الواقع على المؤمنين.
أقول هذا، فإن صحَّ هذا المعنى في الآية فهو من الله تعالى، وإن كان خطأ فهو من نفسي، مع أن هذا المعنى حق وهو مذكور في كتاب الله في قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [3] فقد جعل الله وجود الإعداد سببًا للهداية والنصر، وهو باب في العلم معروف، ليس هذا موطن شرحه. وهذا المعنى إن صح للآية فإنه يكون قريبًا من معنى قوله تعالى في سورة الأنفال: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} [4] فإن أقرب معاني هذه الآية هو أن الله سابقُ الكافرين ومدركهم بتعذيب الله لهم على أيدي المؤمنين بالقتال والإعداد له، وهذا ما يدل عليه سياقها وسباقها،
(1) المجادلة: 8
(2) هود: 8
(3) الفرقان: 31
(4) الأنفال: 59