كما أن لكل ابتلاء تخصصه في قيام الحياة، فابتلاء الهجرة هو من يُشكِّل الأمم على الوجه الذي قدمناه، وابتلاء الجهاد هو الذي يحقق قيام الحق وزوال الباطل أو عدم استقراره، وابتلاء كلمة الحق والصدع بها هو الذي يحقق اهتزاز الباطل وضعفه ثم انهياره، فهكذا إنما يَتشكَّل الوجود من خلال رحلة الابتلاء التي قدَّرها الله مُلازمةً للحق ومقارنةً له.
الخروج من مواقف الابتلاء هو خروج من صناعة التاريخ والأمم؛ إذ قد مرَّ على الوجود الكثير من الدواب التي تأكل وتشرب وتتسافد وتعيشُ في نظام القطيع الصامت لكنها لم تترك وراءها إلا العظام البالية والرُّمم القذرة، وحتى هذه تتآكل وتذوي وتذهب.
هكذا حين يقرأ المرء قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} بمفرداتها التاريخية يعلم معنى جريان سُنّة الابتلاء، لا لمُجرد الفهم العام لها، لكن بإدراك معنى تاريخ أي قضية من قضايا الإنسان بل الوجود؛ لأن المفاهيم لا تُدرَك معانيها إلا بإدراك تاريخٍ ووقائع هذا التاريخ، وكلما اتسعت دائرة المرء في معارف هذا التاريخ كان أكثر إدراكًا لحقيقتها، لهذا كان القرآن فسيحُ الجانب في شرح تاريخ الإيمان والدعوة إليه، وحال الناس فيه وعاقبة كل فريق.
في موقف الفتنة والابتلاء ومراقبة أقدار الله تعالى الواقعة على المؤمنين الصادقين يقفُ المعاند ضاحكًا هانئًا أنه بعيد عن ذلك كله، فيأتي الْتِفاتُ القرآن إلى هؤلاء قائلًا: {وَأَنتُمُ} فتغوص الضحكات مع غُصص الحلوق أنهم ليسو بمنجاةٍ من العذاب، فيقول الله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ} ، فهل إتيان المؤمن إلى حضن الرحمة الإلهية مُؤمنًا مُصدقًا مُستجيبًا لدعوته يجعله عرضة للفتنة والابتلاء، أمَّا المُعرض الذاهب الهارب من الدعوة والاستجابة يجعله بعيدًا عن يد الله فلا تَطَاله {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} .
لكن لمّا كانت هذه السورة بمُجملها خطابًا للمؤمنين فإن هذا الالتفات في الخطاب للكافرين يمرُّ مرورًا سريعًا؛ لأن مواطن الحديث عنهم في أماكن أخرى من كتاب الله تعالى، أما هنا فيكفي أن يُقال لهم: وأنتم لن تهربوا هروبًا يقع به السبق الذي يمنع إدراككم، بل {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ} [1]
هذا كما أنه خطاب للمُعرضين الكافرين، فهو خطاب للمؤمنين أن الجهة الأخرى الخالية من البلاء حالًا فهي ستُلاقيه مآلًا، وقد حذر الله المُنقلبين من جَهالة عدم تقدير الموقف الذي سيُلاقونه بكفرهم، فشتان بين عذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة، وشتان بين غَضَب الناس
(1) الرحمن: 31