فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 186

صناعة الإيمان في تحقيق مطالب الأُمم كالأمان والإطعام والحياة الطيبة؟

وهذا اعتراضٌ مَبنيٌّ على تصورٍ مُخطئ لمفهوم الابتلاء والفتنة، فقد تقدم أن الابتلاء ليس نسقًا واحدًا فهناك ابتلاء يَسبقُ التمكين كما قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [1] } وهو الذي قاله الشافعي - رضي الله عنه:"لا يُمَكَّن الرجل حتى يُبتَلى."

وهناك فِعلٌ هو لا بِناء وهو الابتلاء عينه، فالجهاد هو فعل بناء يتم فيه إدخال الناس في دين الله أفواجًا، ويقع به إزالة عُمُد الجاهلية وطواغيتها، وهو في نفس الأمر ابتلاء وفتنة لحقيقته عينها ولِما يقع فيه وبه. ثم لو تفكرتَ بما وقع لأهل العلم من الرحلة والطلب لرأيتَ أن كل أبنية العلم في تاريخ أمتنا كان وسيلتها هو خَوْض رجال هذا العلم غَمَرات الابتلاء والتحمُّل؛ حتى تحقق لهذا العلم وجوده ثم وراثته، فعزل الابتلاء وتحمل المشاق عن البناء نفسه ناتج عن عدم فهم الابتلاء على وجهه الصحيح، لكن لمَّا يكون الناس في فترة ما فإن حديثهم عن الابتلاء يَنْصبُّ على نوع هذه الفترة وابتلائها الخاص بها فيظن السامع أن هذا هو المفهوم الكلي للابتلاء، والأمر ليس كذلك.

ثم إنه قد ثبت في التاريخ الإنساني أن ما تحقق بجهد ومشقة هو الثابت الباقي للأمم، وأمّا ما كان سهل المنال فهو ذاهبُ الأثر ضعيفُ الثبات، فهذه كتب العلم إنما وضعها أصحابها في أُتون الألم والمشقَّة، وكتب مدادها بالعرق حينًا وبالدم حينًا، فنالت القبول الإلهي ومحبة الخلق، فهذا تاريخ الكلمات وهي تحمل القيم، وهذا تاريخ الرجال وهم يزرعون المعاني، ولذلك فالابتلاء هو مادة الروح لأي بناء في عالم القِيَم والمعاني حتى تكتسب قوتها فتملك حق الحياة. ولمَّا كان أمر الآخرة هو المقصود الأول للوجود الإنساني فإن كل بناء لا قيمة له أمام ما يبنيه الإنسان من حسنات وحب إلهي وديار في الجنان، وإن أخطأ المرء هذه القاعدة فإن تقييمه للأعمال صلاحًا وفسادًا لن يكون حقًا ولذلك قال الله تعالى هنا {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

أمّا واقع الابتلاء في حياة البشرية فهو مُشكِّل وجودها، فالابتلاء هو الذي يصنع التدافع الذي يُحقق زوال الباطل واستقرار الحق في الأرض، وهو الذي يُعمِّق وجوده في إرث البشرية، وهو الذي يصنع للحق أَلَقَهُ ونورهُ ليُقبل الناس عليه؛ ذلك لأن البشرية في جوهرها تَحِن إلى البطولة وإلى الصبر وإلى الثبات على المبادئ، حتى أولئك الذي يُعارضون قِيَمك فإنهم في دواخلهم يُثمِّنون مواقفك، وهذا ما يجعل الحق ثابتًا في الأرض له رجاله والأوفياء له.

(1) السجدة: 24

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت