فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 186

معرفتك تاريخ الابتلاء تمنع عنك أن توقع نفسك في نمطٍ واحد تطلبه، أو ترى نفسك فيه، فإن صور الابتلاء لا يوجد لها نسق واحد جَرَت في كل التاريخ، بل إن قصص الله في القرآن مع أنبيائه لتدل على هذا المعنى، وما على المرء إلا الاعتبار بالعواقب لا بأفراد الحوادث، فليس لها وجه واحد والقول بهذا خطأ في الفهم وجهل بتاريخ الابتلاء، لكنه - للأسف - هذا غالب على فهم الكثيرين.

إذا كانت هذه القاعدة تُطرح ابتداءً للمدعو ليلتحق بركب المؤمنين فإنها في ظاهرها عند البعض مُنفِّرة من الالتحاق، حتى إن بعضهم - كما ذكر بعض أهل العلم - ليرفض كقاكات الإيمان مخافة أن يُنصب له امتحان الابتلاء، فيُقال لهؤلاء: إن سلعة الله غالية، وقد أجاب الله على هؤلاء بقوله: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ، فالذاهب عن الإيمان مخافة تكاليفه هو الخاسر، وأما الإيمان فبضاعة لا تَخضع لقانون العرض والطلب، بل جذر الأنبياء أقوامهم من مشاعر الباطل في هذا الباب فقال الله عن موسى - عليه السلام - {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [1] }

بل هناك تحذير آخر له تعلق من وجه آخر بنفي غرور المرء أنه أفضل الموجود أمام عرض الإيمان، أو أن رفعة الإيمان مُختصة بشخصه فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [2]

وقال سبحانه: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [3] فهذا مَقامٌ لا كسادَ فيه، بل عليه التنافس، فالذاهب عنه لا يُنقص قدر المَقام بل هو الخاسر المغبون، ثم إن رفع هذا الشعار في بداية السلوك يجعل الداخل فيه ابتداءً هم أصحاب العزائم، وهؤلاء هم من تُقام بهم مُهمَّات الإسلام ووظائفه، وهم قواعد الحق وأبنية الشوامخ، وأما ما نراه من انتكاسة البعض وضعفهم فإن سببه هو جهالات لمفهوم الابتلاء، إذْ أن الكثيرين منهم يأتون في هذا الطريق من باب الحماس فإن طال عليهم الطريق لم يَصمُد حماسهم ولم يُسعفهم عِلمُهم في رد شبهات الشيطان الوافدة مع البلاء وتنوُّعه.

وقد يَفِدُ على الأفهام القول بأن الإنجاز والبناء لا يكون في البلاء بل يكون في السعة، فإن استقرار الإنسان والأمم هو الذي يعطيهم فسحة تحقيق أهدافهم في البناء، فالبلاء يُضاد هذا ويمنع الإنجاز والبناء، فكيف للسجين أو المُطارَد أو المُعذَّب أن يُنجز للحياة مطالبها لتصنع

(1) إبراهيم: 8

(2) المائدة: 54

(3) مُحَمَّد: 38

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت