ظل عزيز مصر على هذا المعنى من الكرامة والاعتناء، وفجأةً يأتيه بلاء آخر ليس بسبب حب أبيه - عليه السلام - به بل بسبب جماله، فيثبت ويصبر وتثبت براءته فيظن أن الأمر قد انتهى بقول العزيز له {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [1] لكن تتابع الموج لا يكُفّ، فيدخل السجن، وهي موجة تهدم كل هذا الاعتناء الذي لَقِيه من هذا البيت، بيت عزيز مصر، فيكون بعض الأمل حين يؤمِّل للناجي أن يُخبر عنه ملك مصر {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [2] } ، وفي هذه الكلمة ما يدل أن أملًا كبيرًا كان في قلبه أن الفرج قد اقترب، وتمضي الأيام والشهور وهو يرقب باب السجن أن ياتيه الخبر حتى تمضي السنون {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [3] ، يعني قد دبَّ اليأس من أن يأتِ الفرج من هذا الطريق الذي أمَّله، لكن اليقين أن العاقبة للمتقين لا يزول.
ما الذي استقر في قلب يوسف الصديق - عليه السلام - حتى إذا جاءه الذي نجى فسأله عن رؤيا الملك فلا يذكر له مرة أخرى بأن يذكره عند الملك؟ بل ولا يذكر الله أنه عاتبه أن قد نساه.
قد يقول قائل: عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، فما أدراك أنه ذكّره فلم يذكره الله في القصة؟
إن من قرأ قول يوسف الصديق - عليه السلام - للناجي حين جاءه يستدعيه للملك علم أن يوسف قد صَلَب قلبه ولم يعُد يتشوَّف الفَرَج من طرق يظنها أو ينشدها، بل هو اليقين وكفى، وعلى الله الاتكال؛ ذلك لأنه قال له: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [4] } فهذا باب من الرجاء قد انقطع، لكن الرجاء بباب الله لم ينقطع.
فالابتلاء ليس باختيارك، لا زمنًا ولا حدثًا ولا وقائع، ولو كان كذلك لمّا كان ابتلاءً حقيقيًا، كما أن الابتلاء لا تكون عقدته كما يظن البعض في بدايته ثم يبدأ بالحل والتخفيف على طريقة الروايات والقصص، بل إن قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} وكذلك ما وقع ليوسف الصديق - عليه السلام - ليدل أن البلاء ليس له معيار واحد يجري عليه، فقد يكون كذلك قويًا عاليًا ثم يبدأ بالانحسار، وقد يبدأ هينًا ثم يبدأ بالصعود والارتفاع حتى الذروة ثم ينقضي، وقد يمر في حالات متعددة يهون ويكبر، ثم يهون ويكبر حتى يتحقق الوعد، كل ذلك هو من سنن الابتلاء، فسيرة النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - تدل على هذا المعنى سواء كانت سيرته في مكة أو المدينة؛ ذلك ليتحقق معنى الابتلاء في أجَلِّ معانيه حين يصاب به المرء على وجع لا يعرف فيه إلا شيئًا واحدًا، وهو أن يصبر ويصبر حتى ينجلي.
(1) يوسف: 29
(2) يوسف: 42
(3) يوسف: 42
(4) يوسف: 50