فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 186

ولأن نتائج الإيمان في الدنيا عظيمة الأمر وهي في الأخرى أعظم فلا بُدَّ أن ينالها المرء لِما يعلم من نفسه حقيقة، وهذا لا يكون إلا بالعمل والإثبات، وإلا لجاز لكل واحد الأعداء، فبطل الاصطفاء وانتفى التَّفاضُل.

وذِكر سنن التاريخ مع الإيمان وابتلاء أهله مُهمَّة في صياغة الإنسان المؤمن، وخاصة حين وقع البلاء، فإن المرء حينها يحتاج أن يرى موقعه، لأن الشيطان ينهال عليه بالوهم والوسوسة بالباطل، وسلاح الشيطان في هذا الوهم هو السؤال عن عزة الإيمان ووعوده بالنصر والتمكين وأين هي؟ فهاهو يرى نفسه مُحاط بالضعف وغَلَبة خصومه عليه، فإن تذكر أن طريق النصر والنجاة والعزة هذا سبيلها وطريقها هانَ عليه ذلك، وهو يعلم أنه كلما طال النفق يعني اقتراب النور، لأن لكل شيء نهاية مُضادَّة للحال الذي هو فيه، أمّا الوهم الآخر الذي يُحيط به لحظة البلاء فهو ظنه أن الله تخلَّى عنه أو ودَّعه، فإن تذكر أن ما فيه إنما هو اختبار لازم برحمة الله عليه هانَ عليه ما هو فيه.

استحضار المرء لتاريخ السابقين في البلاء لحظة البلاء يعني أنه جزء من سلسلة الإيمان، وقد أكرمه الله في الانتظام بها والدخول في حَلَقاتها، وهذا يوجب الثبات القلبي وشكر المُنعم، كما أن هذا الاستحضار يكشف عواقب صبرهم من فرجٍ ونصرٍ وتأييد فيحصل اليقين أن هذا لن يدوم بل هو إلى زوال، فهاتان قوتان، قوة الأمل وقوة اليقين، يُحيط بذلك دلالة الابتلاء أنه قُبِل في مدرسة الإيمان ووصفه وحقيقته يجعله ذلك قوةً تصمد في هذه الفترة العصيبة.

اليقين أن هذا البلاء إلى زوال، وأن ما بعده خيرٌ منه يمتحن في كل يوم يشعر المرء فيه أن الطريق قد طال، وأن الأمل بنهاية النفق تضعف شعلته، وهذا شيء بشري وصفه القرآن في سورة البقرة {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} وفي سورة يوسف: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} [1]

ولذلك فإن واقع الابتلاء ليس تمثيلية يُمارسها المرء وهو يعلم حدودها وجوانبها، بل إن أعظم ما فيها هي وقوع ما لا يتوقعه المرء، إذْ يأتيه البلاء من حيث لا يحتسب، وتأتيه ألوانه بما لا يتوقع، وهو لا يعلم متى تكون العاقبة، فتزيد على قلبه ونفسه الضغوط حتى يبدأ التساؤل: {مَتَى هُوَ}

فهل تظن أن يوسف الصديق - عليه السلام - كان يعيش رحلة يعلم حدودها ومنعطفاتها وعواقبها؟ لا والله، لكنه كان يعلم أن العاقبة للمتقين، فلو عشتَ معه لظننتَ أن نهاية الألم ستكون بهذه الأيدي السعيدة التي تلقَّفتهُ شاريةً له وهي تقول: {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [2] يعيشُ في

(1) يوسف: 110

(2) القَصص: 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت