فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 186

العابد بالشهوات والرغبات، وكلما ارتقت علوم المرء زاد ابتلاؤه في إدراك الحق وبلاغه، وكلما ازداد العابد عبادة كلما وقف له الشيطان أكثر، يُزيِّن له ويفتنه.

أمّا لو سأل المرء عن مقدار الفتنة التي تقارن الإيمان في رحلة أهله فهي مذكورة في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [1] } ولو جمع المرء بين الآيتين لرأى أن مكان كلمة الإيمان هنا يُقابلها آية البقرة كلمة {تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} ؛ ذلك لأن هذا هو مطلب المؤمنين وهو زادهم في تحمل المشقات وتكاليف الإيمان.

في مجال الابتلاء ينبغي الحديث عن وجوده حين تصبح الدار دار إيمان وهجرة، كما ينبغي الحديث عندما يصبح المرء مؤمنًا مهاجرًا، فالديار تُبتلى وتُفتن وتُمتحن كما يُبتلى الإنسان، وفي هذه السورة ذكر الله الأمان الحاصل للحرم في آخر السورة: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [2]

فالديار ميزانها ابتلاؤها من المنافقين؛ لأنهم يرون الإيمان وأعماله هو سبب الضر الذي يلحقهم، وقد كشف الله ذلك في سورة النساء بقوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} [3] ؛ لأنهم يرون أن أعمال المؤمنين من جهادٍ وإقامة حدود وهجرة الناس إلى ديارهم مما يُكثِّر الأعباء والأعداء يُلقي علهيم تكاليف شديدة، فيومُ حصارٍ، ويوم جهاد، ويوم اغتيال للمسافرين والساعين منهم، فلذلك يجلدون أهل الإيمان بأنهم سبب المصائب والبلاء، وهم لا يريدون هذا الإيمان ولا تكاليفه، فيكون جزعهم سببًا لزيادة الثقل على المؤمنين، وهو ثقل مضاعف لأنه في جَنَبَات المرء، كما له خطورته المضاعفة كذلك. الديار تُبتلى مع الإيمان، وانتكاسة الديار والقرى أشد من انتكاسة امرئٍ لم يصبر على تكاليف الإيمان فارتدَّ فأبعده الله، لكن انتكاسة الديار والقرى هو إذهابٌ لمشروع الإيمان ومُهمة قيادة الحياة.

{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} لَمّا كان مجرد القول لا يكفي فلا بُدّ من بيان حقيقته، هل هو صدق أم كذب، ها هنا الصدق والكذب ليس في وصف القول، فإن قول الإيمان هو صدق مُطابق للواقع في نفسه، لكن هل ادِّعاء الإيمان صدق أم كذب؟ والله - عز وجل - يعلم السر والخفاء كما يعلم الظاهر والعلن، لكن هذا كله على القاعدة النبوية الشريفة (( اعملوا فكلٌّ مُيَسرٌ لِما خُلِقَ له ) ).

(1) البقرة: 214

(2) العنكبوت: 67

(3) النساء: 78

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت