فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 186

إن عزّة الإيمان هي التي اقتضت هذا اللفظ {يُفْتَنُونَ} ؛ لأن الفتنة هي استخلاص الصفاء من الشوائب، كشأن الذهب يَرقد تحت نيران الفتنة حتى يَخلُص من شوائبه فيستحق اسم «الذهب الخالص» الذي هو معيار القِيَم المادية، وكذلك الإيمان لا بُدَّ من جريان الفتنة عليه حتى يخلص اسمًا خالصًا فيكون معيار قِيَم الحياة في الدنيا وفي الآخرة.

ولأن الإنسان هو الإنسان، فحيث هو فلا بُدّ من تصفيته عن طريق الفتنة، فكان حينها أشد الناس صفاءً هم أكثرهم فتنة كما قال الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم: (( أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل والأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء ) )؛ فهكذا؛ لا يستقر إيمان زائد في القلب حتى يؤدي صاحبه حقه المُلائم له، وحتى يذهب ما يقابله من منازع في قلبه ونفسه، فهكذا تصبح رحلة الإيمان هي رحلة البلاء، ورحلة الفتنة المتواصلة حتى يبلغ المرء اليقين.

نزوع الناس إلى السلامة هي محاولتهم الجمع بينها وبين الإيمان، فيخططون ويفكرون في كيفية الحفاظ على إيمانهم بعيدًا عن خطر الابتلاء، فتأتي الآية هذه لتؤكد لهم حقيقة عليهم أن يدركوها وهو أن تخطيطهم في هذا الباب إلى فشلٍ مُحقق، فلذلك جاء هذا اللفظ {يُتْرَكُوا} ، وكأن أمر هؤلاء إِمّا إلى هروب من البلاء فهو مدركهم ولن يتركهم، وإمَّا أنهم يحاولون تطويع الإيمان ليُلائم السلامة ولن يستطيعوا، ذلك إِمّا الإيمان مع البلاء قدرًا لازمًا، وإِمّا السلامة والتي لا تكون لهم إلا بترك الإيمان.

هذا البلاء والفتنة لا تكون بسبب اختيار المؤمنين لمصادمة أسبابها وتثويرها كما يحاول البعض تصويره جهلًا، بل لو أتى المؤمن بكل حِكم الوجود ليُسَكِّن أرجل الفتنة فلا تأتي، وليطفئ نارها فلا تحرقه فلن ينجح؛ لأن الأمر ليس بيده، فإنه حيث اختار الإيمان فلا بُدّ أن يكون مع صفقته مَبيعٌ آخر هو البلاء، فهي بيعتان في بيعة قدرًا لازمًا لا انفكاك بينهما.

في لفظ {الإِنسَانَ} هنا دلالة عبور بين اسمين، أحدهما خالٍ من الإضافة والآخر مضاف إليه صفة الإيمان، فهو في الحالة الأولى إنسان يقول إيمانًا، لكن الحالة التي يثبت له حكم الإيمان صادقًا بأنه أَهلٌ له هو المرور عبر بوابة الابتلاء، فلا ثبوت للدعوى بمجرد اللفظ والادِّعاء، بل لا بُدّ من الإثبات والدليل، ودليل صدق الدعوى هو الابتلاء، وهي رحلة في كل قضية إيمانية، فلا إيمان وهو مبتعض إلا بأداء دليل الإثبات لهذا البعض، والإيمان لا يُقابل الفراغ، بمعنى أن خسارة بعض الإيمان لا يعني أن تخسر شيئًا فلا يكون بديلًا عنه عندك، بل إن قانون الحياة جُملةً يمنع الفراغ، فحيث ذهب بعض الإيمان جاء ضده، وكل بَعضٍ يذهب يأتي مقابله الذي يوازنه في المُضادة، فذهاب شرطٍ من شروط الإيمان يعني حصول الكفر والشرك، وذهاب واجب من واجباته يعني مجيء الفسق، وذهاب مُستحباته يعني فوات مراتب القرب (( مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ) )، كما أن كل عامل في باب من أبواب الإيمان له ابتلاؤه الخاص به، فابتلاء العلماء في الشُّبهات والصدع بالحق، وابتلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت