فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 186

هنا تأتي هذه الآية لتُنكر هذا الحال وتقرع المفاهيم، لتعيد بناء الوعي على حقيقة الإيمان ومُستحقَّاته وبيئته ولوازِمه القدرية، ثم هي في تقريرها لذلك تستند على أمور اقتناع، منها:

1.تاريخ الإيمان وجَرَيان سُننه مع أتباعه على نسق الابتلاء والامتحان والفتنة.

2.ومنها أن الإيمان ليس مفهوم عقلي فقط كما هي مفاهيم ومعلومات الحياة يصدق بها المرء ثم تمضي في طريقها، بل الإيمان حياة وقِيَم لا تَثبُت معانيها على وجه الاقتناع فقط، بل إنما يَثبت وصف المتحلي بها بعد دفع أثمانها ورَدُّ العوادي عنها ووضْعِها أمام المرغوبات والشهوات؛ ليتم اختيار الحب لها مُقدِّمًا إياها على كلِّ شيء من المُتع والأهواء؛ ولذلك فالإيمان ليس قولًا {أَن يَقُولُوا آمَنَّا} إذْ لو كان كذلك لمَا كان إلا صورةً في حياة البشر، أو كرقمٍ في ثوب، أو كمَوْطنِ سارٍ في الأرض تذروه الرياح وتعفي أثره الأمطار، لكن الإيمان عند أصحابه المُتحلين به قيمةً، فيه الحب والولاء وفيه البغض والبراء، وفيه الجهاد والابتلاء، وفيه الموت والحياة؛ لأن طرف الإيمان هو الله - سبحانه وتعالى - في الوجهة المقابلة للإنسان، فهو إيمانٌ بالله، والله هو المألوه وهو الذي منه الحياة والممات {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [1]

ثمّ إن تقرير هذه الحقيقة يستند على دعاوى الامتلاك والامتلاء القَلْبي حالة منتشرة في البشر، حيث يختزن عقل الإنسان ذكاءً نادرًا في قدرته على عدم تفويت المصالح، فحيث قَدَر أن يجمع بين الضدين حيث فيهما مصلحة فلن يعدم ذلك، وهو مُركَّبٌ على حب العاجلة.

إذن فليسعى للعاجلة، ولأن الآخرة حقيقة لا تُنكَر دلائلها فلا بأس من تحصيلها، لكنها آجلة، فيكفي أن تقول: آمنتُ بها. لتُحصِّل مصالحها، وهي قسمة ضيزى لا تتلاءمُ مع عزَّة الإيمان الذي هو ثمن الآخرة، وهي عزة في الابتداء لا تَقبل الاشتراك، فكيف تقبل البَخْس والتطفيف؟ فلذلك تأبى الانتحال بدون منازعة الغير من محبوبات الإنسان وشهواته، فالإيمان بالغيب يُنازع محبوبات الشهادة، ثم هو لن يُسلَّم لِيَدِ صاحبه حتى يعلم أنه في قلبه أعظم من كل شيء، هذا ما تجليه كلمة {أَحَسِبَ} .

إنها طبيعة الإيمان وفِطرته، فهذا القرآن العزيز شبَّهه الحبيب المصطفى في عزته بالإبل، يتفلَّت عزيزًا أن يُملك، فإن ند فلا يعود إلا بجهد يُستقرُّ به في يد صاحبه على وجه الدلال والأَنَفة، وهكذا الإيمان يَخْلِق في جوف صاحبه، ويَضعفُ ذاهبًا بمقدار غفلة صاحبه عنه، ولا يعود إلا برِفْقِ مادَّته كما يَرفقُ صاحب الإبل بها وهو يعود بها إلى مواطنها.

إن هذا الإنكار المُحمل عليه معنى الآية هو إنكار يُلائم من جَهِل حقيقة الإيمان ومن جَهِل تاريخه، أو من ظن أن مائدة الله هي أهون الوجود فلا تستحق ما تستحق نفائسه ومعاليه.

(1) الأنعام: 162

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت