فالإنكار على هذه المعاني على الوجه الذي يفعله البعض غير سديد، كما رأى الناس إنكارًا من بعضهم وكان الفعل ضلال وانحراف حين استبشر البعض بحادثةٍ عظيمة بكونها تتوافق مع رقم السورة أو رقم آية فيها على العمل واستحسانه، فهذا كله من باب معاني القلوب والتَيمُّن، وهو بابٌ لا يُحَلُّ به حلال ولا يُحرَّم به حرام، لكن المعاني في القلوب تتفاوت درجاتها ثُبوتًا، فتتفاوت درجات قوة أدلتها، وذلك الذي قدَّمناه في اختلاف العلوم وأبوابها هو عَيْنه هنا.
فإن السيرة النبوية لها فوائد في نفوسِ تاليها وسامعها أكثر من أحاديث الأحكام الموجبة للحلال والحرام، فكان التسمُّح في درجة ثبوتها؛ ولذلك إن المُصنِّفين لها كعروة بن الزبير وابن إسحاق وغيرهما لا يتشددون في أسانيدها تشدُّد أحاديث الأحكام، وكذلك التفسير فإنه أغلبُه يتعلّق بتفسير الألفاظ، فهي أشْبهُ بكتب المعاجم اللغوية، وهذه لا يُشترط لها أهلًا ما يشترط الفقهاء لأحاديث الأحكام، وهكذا فإن هذا باب يَعرفُه ويَعرف دلائله ووجوده كل من اطَّلع على علوم امتنان، لكن الظاهرية المقيتة التي لا ترى إلا وجهًا واحدًا للمعاني هي التي تعود إلى هذه الأقوال؛ ولذلك فلا عجب من يأتي بنفي علوم السيرة وفقهها الخاص بها من أمور تربوية وأخلاقية وعسكرية وإدارية هي أوسع من أبواب الفقه الاصطلاحي تحت الزعم أن فقه السيرة هو عينه الفقه الاصطلاحي في كتب الفقه، فهذه الأقوال لو تفكر بها أصحابها لرأوا أنها تُلغي الحياة وتنوِّعها، وتُلغي تعدد معاني القلوب وما فيها، فالحمد لله على هدايته وتوفيقه.
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ? وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ? أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ ? مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ? وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [1] هذا الافتتاح المميز لهذه السورة جاء الخطاب يحمل الاستفهام الاستنكاري لظنونٍ باطلة حول تاريخ الإيمان وطبيعته، والناس يفهمون أن جَنْيَ أيُّ خير في هذه الدنيا لا يكون إلا بثمنٍ وبذلٍ جهد، ويعلمون أنه كلما اشتدت قيمة الشيء كان الجهد أعظم، فالدرر لا تُلتَقط من الأرض كالْتقاطِ الجِمار، بل تحتاج إلى جهد وعناء ومشقَّة، ولَّما كان الإيمان هو أعظم ما في الوجود، ونتائجه هي ما لا عين رَأَت ولا أذنٌ سَمِعت ولا خَطرَ على قَلبِ بشر، فإنه لا بُدَّ أن يكون الثمن غاليًا، وغاليًا جدًا. لكن النفوس حين تَنسى وتَغيب عنها حكمة التاريخ ويَختلُّ ميزان القِيَم فإنها تَظنُّ أن الإيمان وثماره هي أهون الموجود، فيحصل فيها الاطمئنان أن الإيمان مُتحصِّلٌ موجود وقد أُدِّيت مُستحقاته وواجباته، ولكن ما رُكِّب الإنسان عليه من عدم الشَبَع من الدنيا يأخذه إلى غمراتها باذلًا تَعِبًا في الزيادة منها وتكثيرها.
(1) العنكبوت: 2 - 6