إعجاز القرآن الذي لا تنقضي عجائبه.
وأمّا مُحاولة البعض نفي هذه الدلائل العلمية التي حواها القرآن كالإعجاز القرآني في الطب والفلك وغيرهما بحجة عدم وجود هذا العلم في أقوال السابقين من الصحابة والتابعين هي محاولات غير سديدة ولا مُوفَّقة، فإن الله - سبحانه وتعالى - هو الخالق وهو منزل الكتاب وهو كلامه، وحين يُنبِّه الله في كلامه على عَظَمته في كلامه فإنه ينبههم إلى ما خَلق من أسرار وحكمة قد يعلمون بعضها في أزمانهم، وقد يتأخر عِلمهم بها إلى زمنٍ قادم، فيكون علم هؤلاء التالين في مراد الله في هذه الآيات أشْمل وأوضح وأَجْلى، وبهذا صار القرآن الكريم ليس مُعجزًا في لغته التي بَهرت العرب وأعجزتهم عن الإتيان بمثله فقط، بل هو مُعجز لكل الأُمم ولكل الأزمان التالية لزمن الصحابة حتى قيام الساعة، وهذا ما عَناهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( ما من الأنبياء نبيٌ إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله علي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ) ).
ففي القرآن من الدلائل الجليَّة أنه كلام الله ما تصلح لكل قوم ووقت، ولو قصرنا الإعجاز القرآني على الإعجاز البياني لَما كان في هذا القرآن من دلائل أنه كلام ربّ العالمين إلا للعرب الذين يُدركون سرَّ العربية وذوقها، وهؤلاء قد مضوا ولم يبقَ منهم بعد انتشار الإسلام ودخول الأمم الأخرى في دين الله إلا القليل، وهذا شيءٌ لا يحتاج إلى كُثْر شرح ومراجعة، مع اتفاق الجميع أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقول في كلام الله ما ليس فيه، وأن المرء لا يجوز أن يقول فيه قولًا إلا وقد انتصبت دلائل صدق وصواب قوله وإلا ردَّ عليه، والخطأ موجود في كل علوم الناس، حتى الذين يستنبطون الاحكام الشرعية من كتاب الله يكون فيهم المُخطئ والمُصيب، مع أن كلام الله إنما وُضِع ابتداءً لهذا المعنى عند المؤمنين به، فوجود الخطأ لا يُلغي أصل العلم ولا قواعده.
وأمّا الاستبشار بالدلائل فيه على الأحداث كمن يَستبشر بالأسماء والأماكن والوجود فهذا لا بأس به ولا يجوز أن يُشنَّع على صاحبه، لكن الجهل والبدعة هو اتخاذ هذا الباب حِرْفة مع كتاب الله تعالى كما يسميها البعض بـ «الاستخارة» وهي أن يفتح المرء القرآن ليستخير الموضع الذي فَتَح عليه في إجراء أمرٍ أو عَدَمه، فهذا الأمر اتخاذه على ما عليه هؤلاء هو بدعةٌ لا شك فيها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب الأسماء الحَسنة ويتفاءل ويستبشر بها، وهي في جملتها من التِيامُن وتركُ التَطيُّر، فإذا كان الناس يستبشرون بالأسماء والوجوه وكلمات العفو التي تُقال أمامهم، فالاستبشار بكتاب الله أَوْلى في هذا الباب، وقواعد هذا الأمر معلومةٌ ومنها أن هذه بشارات لا يَقطع المرء بها ولا بمعانيها، لكن تَقع في القلب كشأن الرؤيا تَسُر وتُبشّر، كما سمّاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( المُبشِّرات ) ).