مطلع السورة:
تبدأ السورة بتلك الفواتح التي بَهَرَت العرب، وشوَّفتهم إلى ما بعدها فشدَّت قلوبهم إلى كلام يتلوها هي خطيرةُ الجانب، عظيمة النِّذارة والبيان، وقد اختلف الناس في هذه الحروف المُقطَّعة التي افتُتحت بها بعض السورة اختلافًا لا أعِدُّه متناقضًا، بل مُؤداه إلى معنى واحد، وهو غزارة معانيها في نفوس سامعيها، وقد أحسن الإمام الطبري حين جعل معناها هو كلُّ ما قيل فيها من كلام لا مَطعَن فيه، فإن كلامًا يُقال بهذه الحروف التي تقذِفُ التساؤل والحيرة في نفس سائلها ثم ينصب الكلام المُعجز بعدها بيِّنًا جليًا مُيسرًا، مُبهرًا في لفظه ومعناه ليجعل الأمر يعود إلى هذه الحروف ليبحث عن سرِّها عند قائلها، فتذهب العقول في وديان البحث الجاد؛ لأنها رأت في ما بعده كلامًا عظيمًا لا يخرج إلا من نفس إلهٍ عظيم حكيم حميد مجيد.
ولكن هذه الحروف لو قالها أحدٌ ثم أتى بعدها بكلام الجهالة والعَيّ، لمَا عدَّها الناظر فيها إلا تخليط كلام وهذيان، فكان سِرُّ هذا المطلع {الم} وغيره في السور هو عينه الذي وقع الناس فيه من التفكر، فهل هي مقصودة في ذاتها تدل على معنى خفي أم أنها مرشدة لأمر آخر كالقول بأنها حروف القرآن المعجز؟ وها هي بين أيديكم؛ فهلّا أتيتم بمثله وقد أوتيتم مادة كلامِه؟
هي كل ذلك، بل وصارت شعارًا لحَمَلةِ القرآن في نفيرهم حين تبلغ القلوب الحناجر فينادي أهل القرآن بعضهم بعضًا بشعار القرآن: (( حم لَا يُنْصَرُونَ ) ) [1] كما جاء في الأثر.
وإنه من جليِّ الأمر أن بعض السور المكيَّة قد افتُتحت بهذه المطالع كالحواميم والطواسين وغيرهما، ولم يَقف المُعاندون للقرآن منها إلا موقف الدهشة والذهول، وفي قصة قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - سورة فُصِّلت - وهي ثاني الحواميم - على الوليد بن المغيرة ما يدل على ذلك، فإن دل هذا على شيء فإنه يدل على تحقيق هذه الفواتح لمقاصدها عند الُمعاند وهو التنبُّه والشَّد.
وأمّا هي عند المؤمنين بالقرآن فعلى حالين:
1.إِمّا أن يسيروا ضاربين في وديان التفكر في دلالتها على معاني خفيَّة.
2.وإِمّا أن تكون لهم امتحانًا أن يؤمنوا بها أنها كلمات رب العالمين؛ وفيها الإعجاز والعَظَمة مع عدم إدراكهم لمراد الله فيها، وكلاهما موقف إيماني عظيم.
لقد اكتسبت هذه الحروف المُقَطَّعة عَظَمة الإعجاز وقوة الإبهار للكلام التالي خَلْفها؛ ولذلك من الإنصاف أن يعترف أهل العلم لِما يُسمّى بالإعجاز العددي في القرآن؛ لأنه من دلائل
(1) عَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: (( إِنْ بُيِّتُّمْ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُمْ حم لَا يُنْصَرُونَ ) )، رواه أحمد: (16615) ، وأبو داود: (2597) ، والترمذي: (1682) ، وصححه الألباني في الصحيحة: (3097)