فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 186

المُقيمة. ولكن بالهجرة الإيمانية تتشكُّل الأمم على قواعد الدين، ويصبح الحقُّ هو الحاكم في بُنْيَة المجتمع وفي قِيَمِهِ وعلاقاته، وبهذا يتحقق المَنُّ الإلهي بالخلافة والنصر.

في القرآن الكريم تلازمٌ بين الهجرة والجهاد، والهجرة لا تنقطع ما بَقِيَ الجهاد، ولأن الجهاد حياة أُمَّة الإسلام ومُهِمَّتُها في الحياة فإن الهجرة هي أداة هذه الحياة وهو وسيلتُها، وكل آلام الجهاد هي آلام الهجرة، كما أن المعوِّقات هي المعوِّقات، لكن آلام الجهاد مع الخارج أكثر وضوحًا من آلامها الداخلية في الصفِّ المؤمن، بخلاف آلام الهجرة فإنها آلام المسلم مع نفسه ومحيطه القريب الأثير لديه. وتفترق الهجرة عن الجهاد بأن الجهاد فيه مُغالبة للآخر، لكن أهداف الهجرة لا تُحقَّق أهدافها إلا بالمشاركة - أي وجود الأنصار - وهذه وإن بَدَت في ظاهرها أهون من المغالبة في واقع الجهاد إلا أن لها آلامها وتكاليفها الخاصة بها، فتكاليف المهاجرين على الأنصار لا تكون إلا برضاهم في تَحمُّل هذه التكاليف؛ ولذلك ستبقى طموحات وآمال المهاجر مُعلَّقَةٌ باستعداد الأنصار في تَحمُّلها، وواقع الأنصار لن يكون خالصًا في الاستجابة؛ لأنه وإن غَلَب المؤمنون فيه عددًا في بعض الظروف إلا أن الملأ في واقع الأنصار يبقى مثيرًا في رفض هؤلاء الوافدين الجدد، وقد تقعُ القاصمة في أن يصبح هؤلاء المهاجرين طرائد لهؤلاء الغالبين من المنافقين.

في حادثتين مع الحبيب المصطفى والأنصار، كان أمر رصد مقدار استعداد مجتمع الأنصار لتحل التكاليف جليًا واضحًا، فهو يقيس ويُلقي مسباره ليرصد ويكتشف، فقد حدث هذا في غزوة بدر الكبرى، حيث جَعَل يسأل عن استعداد الناس في خوض هذه المعركة، وكان المهاجرون يُجيبون، وهو يسأل عن رأي الناس فيرد عليه الأنصار: كأنك تعنينا يا رسول الله؟ فيجيبُ بالإيجاب، فيأتي الرد الإيماني الشهير في تاريخ البشرية، وهو ردٌّ لم يقع قط من قبل في أمة من الأمم! فبنو إسرائيل الذين فضَّلهم الله على العالمين في زمنهم كان ردهم على موسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [1] } ، ولمَّا امتُحنوا في الشرب من النهر بعد موسى - عليه السلام - قال الله تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ [2] }

لكن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار قالوا كلمةً تبتهج لها ذرَّاتُ الكون المُسبِّحة لربها:"اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتلا إنَّا معكم مُقاتِلون."وقالوا:"لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا تَنصركَ إلا في ديارهم.""وإني أقول عن الأنصار وأجيبُ عنهم - القائل سعد بن معاذ - فاظعن حيث شئت، وصِلْ حَبْل من شئت، واقطع حَبْل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذتَ منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتَ فيه من أمر"

(1) المائدة: 24

(2) البقرة: 249

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت