فأمرنا تَبَعٌ لأمرك، فوالله لئت سرتَ حتى تَبلغ البرك من غمدان لنسيرنَّ معك، ووالله لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتهُ لخُضناهُ معك.""
والحادثة الثانية على حالٍ مضاد لغزوة بدر، إذْ كانت غزوة بدر امتحان الخروج إلى الآخر، أما في الحادثة الثانية فكانت في غزوة الخندق، وهي امتحان الاستئصال والبلاء الداخلي بكل معانيه، إذْ عَرَض عليهم أن يدفع بعض ثمار المدينة لغطفان وأوباش العرب حتى يخذلوا قريش في حصارها للمدينة، وما فعل ذلك إلا تخفيفًا على أهل المدينة - كما قال بأبي هو وأمي - لكن القوم كانوا أصحاب عزائم لا رُخَص، فكان ردُّهم الإيماني الرائع:"يا رسول الله، إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزَّنا بكَ نعطيهم أموالنا؟! والله لا نعطيهم إلا السيف."
فهكذا لا يمكن تحقيقُ أهداف المهاجر في بلد الأنصار إلا بأن يرقى الأنصاري إلى هذه الأهداف، وأن يجمع في نفسه الاستعداد على تحمُّل تبعاتها؛ ذلك لأن المهاجر قد قدَّم كل شيء، وقطع علائقه مع هذا الوجود، لكن الأنصاري ما زالت حساباته وواقعه وارتباطاته.
هذه آلام المهاجر في أهدافه، ومعها آلام النفاق في صف مجتمع الأنصار الذين يرونهم غرباء وأجانب، يتمنون الاختلاء بهم ليفرغوا منهم، ويعلنون عليهم حروبًا نفسية: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [1] } ويعيِّرونهم أنهم عالة يأكلون أموالهم وأرزاقهم {لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا} [2] ، وينبزونهم بكل ألفاظ القبح والحقد"سمّن كلبك يأكلك"وغير ذلك مما هو مذكور في كتاب الله تعالى وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يطول ذِكْره.
إنها معاناة الألم في واقعه ونتائجه، وإن كانت تجربة الهجرة الإيمانية الأولى قد صار أمر الأنصار فيها إلى قلَّة يوصي بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لِما سترى من الأثرة والألم بعده، إلا أن هذا ليس قَدَرًا لازمًا للهجرة الإيمانية، بل قد يكون العكس هو الأغلب حيث تنتصر دار الهجرة ويصير أمر المهاجرين إلى قلَّة، هي من تستحق الوصاة والرفق والإحسان، فيالَه من خوف مُقيم لواقع معاش، وألمٌ قادم ينتظر دفع الثمن.
(1) المنافقون: 8
(2) المنافقون: 7