الكاذب، وتنمحي دعاوى العرق المميز السامي، وفي هذا يقع التنافس الحقيقي ليجني المرء والجماعة بمقدار ما تكتسب وتعمل، لا بمقدار ما تَرِثُ وتتفاخر، ولذلك كان حِراك الحياة وصورة الإنسان في عطائه وتطوُّره ونهضته أخصُّ ما يكون في المدينة، حيث يفِدُ الناس ويتلاحقون ويتمازجون ويتنافسون، لكن مجتمع القبيلة هو مجتمع الجمود والتشنُّج وثبات الحياة على نمطٍ متكرر رَتيبٍ مُملٍّ قاتل.
الهجرة في الموضوع الإيماني رِفعة للمهاجر واختبار لصدق إيمانه، حيث يوضَع الإيمان وعظَمَته وقيمته مقابل الحياة، وهي حالة استشهاد لا يصير صاحبها إلى جنان يستريح فيها من عناء الماضي ومشقته! بل هي حالة استشهاد وخروج عن الحياة إلى حياة بلاء جديد، وهي نصرة للدين يتحقق بها الانتساب للجماعة المؤمنة ولاءً ونصرةً كما تُبيِّن ذلك خواتيم سورة الأنفال {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} [1] فحيث خرج البدن من التجمُّع، خَرَج تَبِعة نصرته والْتزام موقفه؛ ولذلك كانت جنسية المسلم ليست عقيدته فقط؛ بل إن جنسية المسلم لا تتمُّ إلا بإسلامه وهجرته إلى أرض الإسلام ودخوله في عصبة المؤمنين بالبيعة والجهاد والولاء.
ثم إن مشروع الإسلام ليس فرديًا، بل قضية وجود نظام ودولة يُصارع جاهلية دول وأنظمة؛ ولذلك هؤلاء النُزَّاع من القبائل يأتون من كل فجٍ مختلف الأصول والمنابت ليُشكِّلوا وجودًا جديدًا له قواعده في التَقدُّمَة والأثَرَة، وله أهدافه التي تختلف عن قواعد ما خُلِّف وراءهم من قيم وقواعد، وهم حيث يؤوبون إلى دار الإيمان والنصرة فإنهم يُشكِّلون منطلقًا لرأس رُمحٍ قادمٍ إلى الآخرين بالهداية وطَرْد الشيطان ومغالبة الطواغيت.
فهكذا تُعين الهجرة في تحقيق أهداف هذا الدين مع رجال تُغيِّر ميزان الحب والولاء والبراء لديهم، فيكون البناء مُلائمًا للهدف وذلك بخلاف دخول الإسلام على أقوام قد استقرت بهم أحوالهم على معنى معين، وقامت عُمُد مجتمعاتهم على قواعد قد طال عليها الأمد، فإن هذا الواقع لا يسمحُ بتغَلْغُل القيم الإيمانية الجديدة إلى درجة انبعاثهم لغيرهم بالتغيير والجهاد والمُجابَهة، وهذا معنى مشاهد في التاريخ، إذْ أن ما يحاول ترويجه أهل الضلالة اليوم من إسلام متعددٍ يضاف إليه أسماء الأمم والأقوام بل والدول؛ سببه هو ملامسة الإسلام لظاهر هذه الأمم دون وُلوجِهِ إلى قواعدهم فيصيغها صياغة جديدة، فهم لا يخرجون من الظلمات كلها إلى النور كله، كما وَصَف الله المؤمنين بقوله: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [2] ، ولكن هؤلاء يخرجون إلى نورٍ ضعيف تشتبك فيه بعض الظلمات
(1) الأنفال: 72
(2) البقرة: 257