فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 186

والقرآن الكريم يقرر أن أهل النصرة للمجاهدين المهاجرين مع فضيلة أرضهم التي تحقق فيها الإيمان والاستجابة له إلا أن القرآن يقدم المهاجرين في الفضيلة على غيرهم، وقد كان هذا التقديم في ثلاثة مواطن في كتاب الله كما في سورة الحشر وفي سورة التوبة مرتين، أما سورة الحشر فقد قدمهم الله في توزيع الفيء فقال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [1] } ، ثم في الآية التالية ذكر الله الأنصار وفضلهم فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [2]

وأمّا في سورة التوبة فقد قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [3]

وقال تعالى في ذكر ساعة العسرة: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ [4] } ففضلُ المهاجرين جملة في المجتمع المسلم أعظم جملة من فضل الأنصار؛ وهذا لأن الجهاد والبلاء الذي بذله المهاجر أعظم من البلاء الذي يبذله الأنصاري له.

ويكفي المرء أن يعلم أن المهاجر يقطع كل علائق الدنيا وكأنه موتٌ مُشاهَدٌ مرئي، فهو مُخلِّفٌ أرضًا أَلفَها وأحبَّها، وأهلًا لهم منازل الحُبِّ الفطري كالأب والأم والإخوان والعشيرة والأصدقاء، ومالًا ومتاعًا هي عُدَد الإنسان ووجوده. ثم أقبلَ إلى عالمٍ آخر، أعظمُ ما فيه قسوةً أن يكون غريبًا فيه. والغربة ألم لازمٌ متواصل، وهَمٌّ مشترك في لقاء الناس وفي غيبتهم، والمرء بفطرته مُركَّبٌ على الحنين لمواطن الصِبا وتشوّف النفس فيه، لا يطفئ هذا الحنين متاع مضارع ولا لهوٌ مقيم. ثم حيث قَرعَ حَدَثٌ بينه وبين الناس كان السوط الذي يُلاحقه قولهم له: غريب.

إن أحَبَّهُ بعضهم كان لا بُدَّ من أن يجد مبغضًا تدخل فيه عينه؛ لأنه لا سند له ولا عشيرة {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ [5] }

في المقابل فإن الهجرة حرام الوجود الذي يمنع طحالب الركود من أن تنمو أو تتجذَّر، كما أنها تمنع الانفلاق الذي يؤدي إلى عصبيات الجاهلية، حيث تتلاقحُ الأنساب فيَذهبُ الفخر

(1) الحشر: 8

(2) الحشر: 9

(3) التوبة: 100

(4) التوبة: 117

(5) هود: 91

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت