فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 186

التنوّع في صناعات العلوم وطرق توثيقها. ويحضرني في هذا الباب قصة ذكرها ابن حزم في [طوق الحمامة] ، تُبيّن هذا النوع من الجهالات، فقد ذكر أن فقيهًا كان في سفينة، فرأى رجلًا يحمل قوارير معه فسأله عمّا فيها فأجابه بأنها خمر. فسأله: من أنت؟ قال: يهودي. فسأله: ممن اشتراها؟ قال: نصراني. فأخذ الفقيه قارورة وشربها؛ فنهره صاحبها: إنك مسلمٌ فقيهٌ وهي خمر فكيف تشربها؟ فقال الفقيه: أنا لا أقبل رواية مسلم عن مسلم غير ثقة فكيف أقبل رواية يهوديٍّ عن نصراني.

والقصد، أن قراءة رواية الإمام الشعبي - رحمه الله - بظاهرية المعاصرين المُدّعين للتصحيح والتضعيف والرد والقبول، لن تخدمهم في شيء في رد هذه الرواية التي أنتصرُ بها للتدليل على المعنى الذي أردتُه في مكان وسبب نزول سورة العنكبوت؛ لأن الأمر في الوصول إلى معنى ما رواه الشعبي أكبر من هذه الطريقة المُستسهلة العصرية.

إذْ الواجب يتعلق بدارية النص في داخله؛ لمعرفة معناه وبَيْنونته وصبغته، وهذا الأمر ليس مُحدَثًا يقوم على جهالات العلمانيين أو أهل البدعة في رد النصوص الصحيحة كما يزعم المقابلون لهم من صغار أهل هذه العلوم في الصف الإسلامي؛ بل إن نقد النص - المتن - هي طريقة جهابذة العلماء القدماء، يُعلم هذا من أحكامهم وفقههم - وهذا بابٌ واسعٌ ليس هذا موطنه -؛ ولذلك لا يحل لأحد أن ينفي خبرًا يُثبِته أهل العلم فيه إلا من خلال قواعدهم هم. لكننا في زمانٍ لا يفقه كثيرٌ من المنتسبين للعلم مصطلحات أهله لا مباحثه وعلومه، وإلا فقل لي بربك كيف تعذر عالمًا يُفسر كلمة حربيّ في كتب الفقه على معنى ما يفهمه العوام - أي المقاتل -.

وتجري هذه السخافات على الناس لقلّة معرفتهم بكتب الأولين وعلومهم ومناهجهم النقدية بل ومصطلحاتهم.

هذه السورة عندي وحدةٌ واحدة، عنوانها: قَطْعُ الموانع عن الهجرة إلى أرض الإيمان والجهاد.

ولأن الهجرة محطة من محطات الابتلاء، وفيها من المعاني الخاصة التي تختلف عن قضايا إيمانية أخرى لها ابتلاء خاصٌ بها، وهي قضية مجتمع مؤمن كما هي قضية فرد مؤمن، فإن استقلال سورةٌ تعالجها ليس بالأمر البعيد، كما أن قضية الهجرة هي قَدَر لازمٌ للدعوات الإيمانية كما كشف ذلك ورقة بن نوفل للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكما تُنَبّئ مسيرة التاريخ بذاك. هذا مع أنها ليست اختيارًا للداعي والمجاهد بل هي فعل اضطراري إما بالإخراج أو الخروج للنجاة من عذاب أو هَلَكة أو قَيْد، وإما بحثًا عن مواطن الصلاح كالعلم والجهاد والإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت