فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 186

دعوتهم هذه هي عين ما طَبقَّه نُفاة الشعر الجاهلي، وهي الطريقة التي طبّقها - جهلًا وعماءً - طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي.

ولو تفكّر عاقل في هذا الباب لوجد أن هذه المناهج الجاهلة هي أصلح ما تكون سلاحًا في تدمير علوم الأُمَّة الإسلامية المتنوعة؛ ذلك لأن لكل عِلمٍ طُرُقه في التوثيق قد تشترك في أمور وقد تفترق في أخرى، فهذه القراءات المتنوعة التي هي أكثر من عشر قراءات في الحقيقة للقرآن الكريم هل لها وجود في كتب الحديث؟ وهل عاصم بن بهدلة ابن أبي النجود غير متين في علم الحديث وروايته، فهل يجعله ضعيفًا في قراءته المروية عنه؟ وإذا كانت عامة أخبار الفتوح وتاريخها قادمة إلينا من طريق الإمام الواقدي وهو مُتّهم في الصناعة الحديثية، فهل يعني هذا عند هؤلاء أن نُلغي أغلب تاريخ الفتوح ومحيطها السياسي والاجتماعي؟ وإذا كان الكلبي مُتّهمًا في علم الحديث وهو إمام علم الأنساب، ولا يكتب أحد في الأنساب إلا وهو عالة عليه، فهل يعني هذا عند هؤلاء أن نُلغي رواياته في الأنساب وعلومها؟ وإذا كان محمد بن إسحاق هو إمام علم السيرة وكل من أتى بعده عالة عليه - كما قال الإمام الشافعي - وفيه مقال عند أهل الصناعة الحديثية من جهة قوة روايته أو تَدْليسه، فهل يعني عند هؤلاء أن لا نقبل أخبار سيره إلا إن أتت عن غيره كذلك وصرّح بالتحديث؟ وبمثل هذا يُقال هم سيف بن عمر التميمي الذي هو عمدة تاريخ الطبري. والأمثلة في هذا الباب كثيرة.

ففي التفسير يُعلم أن علي بن أبي طلحة لم يرَ ابن عبّاس، وأهل التفسير يأخذون بروايته عنه ولا يردونها بالانقطاع، ويرون أن عامة روايته قد أخذها عن مجاهد بن جبر عن ابن عبّاس. وهذا يدل على أن صناعات العلوم ليست واحدة، بل لكلِّ فنّ رجاله ومناهجه وطرق إثباته، لكن لّما انتشرت الظاهرية في نقد الروايات -أي من خلال عرض رجال السند على كتب الرجال وخاصة ما وضع منها تسهيلًا للمبتدئين، كـ [تقريب التهذيب] لابن حجر، ثم الحكم عليها دون دراسة النص دراسة داخلية كما هي منهج العلماء المحققين، آل الأمر إلى هذه النتائج المرضيّة الفاسدة، وهي تلتقي في نتائجها مع دعاة الجهل والبدعة - كما تقدّم - من فعل طه حسين، ومثله العسكري الرافضي في نَفْيه لعدد من الصحابة، ودعوى اختلافهم وعدم وجودهم مُتحصنًا - كما يزعم - بمنهج المحدثين في نقد الأخبار، كما نفى كذلك وجود عبدالله بن سبأ اليهودي بهذه الحجج السخيفة. وأهل الجهل لا يستطيعون الرد على هؤلاء، بل الذي يتولى الرد عليهم هم أهل صناعات الفنون المتعلقة في بابهم.

ولو نظر طالب العلم في كتاب ناصر الدين الأسد [مصادر الشعر الجاهلي] لعلِمَ معنى هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت