وإذا كان كذلك فالمداد الذي يكتب به الشكل والنقط كالمداد الذي / يكتب به الحروف، والمداد كله مخلوق، ليس منه شىء غير مخلوق . والصوت الذي يقرأ به الناس القرآن هو صوت العباد؛ لكن الكلام كلام الله تعالى، قال تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } [ التوبة: 6 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( زينوا القرآن بأصواتكم ) فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ، وهذا ليس هو الصوت الذي ينادي الله به عباده، ويسمعه موسى وغيره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة .
وكلام الله غير مخلوق عند سلف الأمة وأئمتها، وهو أيضًا يتكلم بمشيئته وقدرته عندهم،لم يزل متكلما إذا شاء فهو قديم النوع، وأما نفس [ النداء ] الذي نادى به موسى ونحو ذلك فحينئذ ناداه به، كما قال تعالى: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى } [ طه: 11 ] ، وكذلك نظائره، فكان السلف يفرقون بين نوع الكلام وبين الكلمة المعينة . قال تعالى: { قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف: 109 ] . وكلام الله وما يدخل في كلامه من ندائه . وغير ذلك ليس بمخلوق بائن منه، بل هو منه، والقرآن سمعه جبريل من الله، ونزل به إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } [ النحل: 102 ] وقال تعالى: { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } [ الأنعام: 114 ] ، وقال تعالى: { تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } [ الزمر: 1 ] ونحو ذلك .