فإنا قد ذكرنا أن العقلاء كلهم يقولون: هذا الفرس هو ذاك، وهذه الشجرة هي تلك التي كانت من سنين، مع علم العقلاء أن النبات ليس له نفس ناطقة تفارقه وتقوم بذاتها . وكذلك يقولون مثل هذا في الحيوان، وفي الإنسان، مع أنه لم يخطر بقلوبهم أن المشار إليه بهذا وذاك نفس مفارقة، بل قد لا يخطر هذا بقلوبهم، فدل على أن العقلاء كانوا يعلمون أن هذا البدن هو ذاك، مع وجود الاستحالة، وعلم بذلك أن ما ذكر من الاستحالة لا ينافي أن يكون البدن الذي يعاد في النشأة الثانية هو هذا البدن؛ ولهذا يشهد البدن المعاد بما عمل في الدنيا، كما قال تعالى: { الْيَوْمَ نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [ يس: 65 ] ، وقال تعالى: { حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } [ فصلت: 20، 21 ] .