ولهذا قيل لهم: موسي ـ عليه السلام ـ لما سمع كلام الله أَسَمِعَهُ كله، أم سمع بعضه ؟ إن قلتم: كله، فقد علم كل ما أخبر الله به وما أمر به . وقد ثبت في الصحيح أن الخضر قال له: ( ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر ) . وقد/قال تعالى: { قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف: 109 ] . وإن قلتم: سمع بعضه فقد تبعض، وعندكم لا يتبعض . وأيضًا، فقد فرق الله بين تكليمه لموسي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبين إيحائه إلى غيره من النبيين، وفرق بين الإيحاء وبين التكليم من وراء حجاب، فلو كان المعنى واحدًا، لكان الجميع إيحاء ولم يكن هناك تكليم يتميز على ذلك . ولا يمتنع أن يكون الرب ـ تعالى ـ مناديا لأحد؛ إذ المعنى القائم بالنفس لا يكون نداء، وقد أخبر الله ـ تعالى ـ بندائه في القرآن في عدة مواضع .
وعلى هذا، فمن قال من هؤلاء: إن كلام الله لا يفضل بعضه بعضًا، فحقيقة قوله أن هذه المسألة ممتنعة، فليس هناك أمران حتى يقال: إن أحدهما يكون مثل الآخر أو أفضل منه، والتماثل والتفاضل إنما يعقل بين اثنين فصاعدًا، وهكذا عند هؤلاء في إرادته وعلمه وسمعه وبصره، فكل من جعل الصفة واحدة بالعين، امتنع ـ على قوله ـ أن يقال: هل بعضها أفضل من بعض أم لا؛ إذ لا بعض لها عنده . وكذلك من وافق هؤلاء على وحدة هذه الصفات بالعين وقال: إن كلام الله حروف قديمة الأعيان، أو حروف وأصوات قديمة الأعيان، سواء قال مع ذلك: إنها أعيان الأصوات المسموعة من القراء، أو قال: إنها بعض الأصوات المسموعة من القراء، وإن كان فساد ذلك معلومًا بالاضطرار، /وقال: إن هذه الأصوات غير تلك .