الأصل الثالث: أن صلاح الإنسان في العلم النافع والعمل الصالح، وهو الكَلِم الطيب الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح جماع العدل، وجماع ما نهي الله عنه الناس هو الظلم، كما قرر في غير هذا، قال تعالى: { وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [ الأحزاب: 72 ] . والتكذيب بالحق صادر إما عن جهل،وإما عن ظلم وهو الجاحد/ المعاند، وصاحب الأخلاق الفاسدة إنما يوقعه فيها أحد أمرين: إما الجهل بما فيها وما في ضدها فهذا جاهل، وإما الميل والعدوان وهو الظلم، فلا يفعل السيئات إلا جاهل بها، أو محتاج إليها متلذذ بها وهو الظالم، فنهاه عن طاعة الجاهلين والظالمين .
وقوله: { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ } الآية [ القلم: 9 ] أخبر أنهم يحبون إدْهَانَه ليدهنوا، فهم لا يأمرونه نصحًا، بل يريدون منه الإدهان، ويتوسلون بإدهانِه إلى إدهانهم، ويستعملونه لأغراضهم في صورة الناصح؛ وذلك لما نشأ من تكذيبهم بالحق، فإنه لم يبق في قلوبهم غاية ينتهون إليها من الحق؛ لا في الحق المقصود، ولا الحق الموجود، لا خبرًا عنه، ولا أمرًا به، ولا اعتقادًا، ولا اقتصادًا .
ثم قال: { وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ } [ القلم: 10 ] إلخ، ذكر أربع آيات كل آيتين جمعت نوعًا من الأخلاق الفاسدة المذمومة، وجمع في كل آية بين النوع المتشابه خبرًا وطلبًا، فالحلاف مقرون بالمهين؛ لأن الحلاف هو كثير الحلف، وإنما يكون علي الخبر أو الطلب، فهو إما تصديق أو تكذيب، أو حض أو منع، وإنما يكثر الرجل ذلك في خبره إذا احتاج أن يصدق ويوثق بخبره . ومن كان كثير الحلف كان كثير الكذب في العهد، محتاجًا إلى الناس، فهو من أذل الناس { حَلَّافٍ مَّهِينٍ } : حلاف في أقواله، مهين في أفعاله .