وتلك الآيات قصد بها أن سبيل الحق والهدي ـ وهو الصراط المستقيم ـ هو الذي يسعد أصحابه، وينالون به ولاية الله ورحمته وكرامته فيكون الله وليهم دون الشيطان . وهذه سبيل من عبد الله وحده وأطاع رسله؛ فلهذا قال: { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } ، { وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ } ، { قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } . فالهدي، وقصد السبيل، والصراط المستقيم، إنما يدل على عبادته وطاعته ـ لا يدل على معصيته وطاعة الشيطان .
/ فالكلام تضمن معني الدلالة، إذ ليس المراد ذكر الجزاء في الآخرة، فإن الجزاء يعم الخلق كلهم، بل المقصود بيان ما أمر الله به من عبادته وطاعته وطاعة رسله ـ ما الذي يدل على ذلك ؟ فكأنه قيل: الصراط المستقيم يدل على الله ـ على عبادته وطاعته .
وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون: هذه الطريق على فلان،إذا كانت تدل عليه، وكان هو الغاية المقصود بها،وهذا غير كونها عليه بمعني: أن صاحبها يمر عليه . وقد قيل:
فهن المنايا أي واد سلكته ** عليها طريقي أو على طريقها
وهو كما قال الفراء: من سلك الهدى فعلى الله سبيله .
فالمقصود بالسبيل هو: الذي يدل ويوقع عليه، كما يقال: إن سلكت هذه السبيل وقعت على المقصود، ونحو ذلك، وكما يقال: على الخبير سقطت . فإن الغاية المطلوبة إذا كانت عظيمة فالسالك يقع عليها ويرمي نفسه عليها .
وأيضًا، فسالك طريق الله متوكل عليه . فلابد له من عبادته ومن التوكل عليه .
فإذا قيل: عليه الطريق المستقيم . تضمن أن سالكه عليه يتوكل، / وعليه تدله الطريق، وعلى عبادته وطاعته يقع ويسقط، لا يعدل عن ذلك، إلى نحو ذلك من المعاني التي يدل عليها حرف الاستعلاء دون حرف الغاية .
وهو ـ سبحانه ـ قد أخبر أنه على صراط مستقيم . فعليه الصراط المستقيم، وهو على صراط مستقيم ـ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبير ـ والله أعلم .