والكلمات التي تحتمل الاشتقاق من أكثر من أصل كثيرة، وليست"سائر"إلا واحدة منها: فالميدان اما من ماد، إذا تلوي واضطرب، وإما من المدى، وهو الغاية، وإما من مدن (4) يمدُن إذا أقام (5) . ولكل أصل ما يسوغ الأخذ به ويزكيه، كما أن له كذلك أثرًا في الوزن والبنية.
ــــــــــ
(1) الدفر: النتن.
(2) تهذيب الحيوان: 16.
(3) تهذيب الحيوان: 79.
(4) في القاموس أنه فعل ممات.
(5) تاج العروس.
/ صفحه 307 /
والمَلَك يرى الكسائي أنه من الألوكة، وهي الرسالة؛ لأن الملك رسول من عند الله، ويرى أبو عبيدة أنه من لأكه بمعنى أرسله، ويرى ابن كيسان أنه من الملك؛ لأنه مالك للأمور التي جعلها الله إليه، وهكذا (1) .
هذه حال النقد اللغوي في تأثره بالحياة التي كان يحياها الناس قديما. وكان المرجي وقد تغيرت ظروف هذه الحياة وأساليبها أن يتغير تبعًا لذلك سمت النقد اللغوي الحديث، وأن ينهج نهجًا آخر غير الذي كان ينهجه في القديم، لكن الواقع يجري على خلاف ذلك تمامًا أو يكاد.
ألم نكن إلى زمن قريب، قبل أن يضيق نطاق الصحف اليومية ويتغير تبويبها، نقرأ من الحين بعد الحين كلمات في النقد اللغوي، تغلب عليها الجرأة، ويقل فيها التحفظ، إذ كان أصحابها لا يترددون في اتهام كثير من المفردات بالخطأ والانحراف، لأسباب يرونها كافية، وما هي في الواقع بكافية ولا بذات غناء.
لقد كان قصارى ما يعمل أكثرهم أن يرجع إلى معجمه أو معاجمه، يبحث عن اللفظه المنكوبة، ولا شئ سوى هذا، فإن عثر عليها ثمة فصحيحة، وإلا أعلن بملء فيه، وبلا تحرج أنها دخليةن لا أصل لها في اللغة ولا فصل، كأن اللغة هي معجمه أو معجماته، أو المعجمات كلها، ما عرفنا منها وما لم نعرف، وما جاءنا منها وما لم يجئ.