الصفحة 10 من 15

ومما يعزز هذا الوجه ويؤنس فيه، أن الجاحظ، وهو من هو بصرًا باللغة،

ــــــــــ

(1) وقذْ: غلبه وسكنه. وقد رجعنا في دراسة سائر إلى: درة الغواص: 1: 3 وكشف ا لطرة: 261، 262، ولسان العرب (سائر، وسار) ، والقاموس، وتاج العروس، والصحاح والمصباح.

/ صفحه 306/

وتمكنا منها، ونقدًا لها، قد استعملها فيما قرأت له مرتين بمعنى جميع: مرة إذ يقول عن خصال الإنسان والحيوان:

"وقالوا كل ذي ريح منتنة، وكل ذي دَفَر (1) وصُنان كريه المشمة كالنسر وما أشبه، فإنه متى خُصى نقَص نتنة، وذهب صُنانه غير الإنسان؛ فإن الخصي يكون أنتن، وصُنانه أحد، ويعم أيضًا خبث العرق سائر جسده (2) ".

ومرة أخرى حين يقول عن خصال الحَرَم:"وإذا عم (يعني المطر) جوانب البيت، كان المطر والخصب عاما في سائر البلدان (3) ".

وردت الكلمة إذًا بالمعنيين، ولا مانع أن تكون مشتقة من الأصلين، فإن تكن من سئر بمعنى بقي، فاسم فاعل بمعنى الباقي، وإن تكن من سار، فاسم فاعل بمعنى الماشي. وكأن العموم جاءها حينئذ من قبل أنها استعملت أول الأمر في طوائف الإنسان، أو في أنواع الحيوان عامة، فكان يقال مثلا: سائر المقاتلين، أو سائر الابل، بمعنى الماشي من هؤلاء أو هؤلاء، أي جميع هؤلاء أو هؤلاء، إذ المشي وصف جامع يلتقي فيه الحيوان كله، ثم كان التوسع في استعمالها، فنقلت من الحيوان إلى سواه، ومن المحسوسات إلى المعنويات، كما يصنع بكثير.

ولا داعي إلى التعصب، والتزام ما التزم الأقدمون في اشتقاقها، إذ رآها فريق من السؤر فقط، وذهب بها إلى معنى الباقي لا غير، ورآها فريق آخر من السير فقط، وذهب بها إلى معنى جميع لا غير. وراح كل يجهد نفسه، ويعمل فكره في الاحتجاج لرأيه، ونقض آراء مخالفيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت