الصفحة 9 من 23

وليس هذا تناقضًا عند قدامة، ولا يوصف بالكذب، لأن الشاعر [ ليس يوصف بأن يكون صادقًا، بل إنما يراد منه، إذا أخذ في معنى من المعاني كائنا ما كان أن يجيده في وقته الحاضر، لا أن يطالب بأن لا ينسخ ما قاله في وقت آخر ] (19) . ولا يختلف هذا الفهم الذي قال به قدامة عمّا قاله معاصره الفارابي الفيلسوف، فالحقيقة الذاتية - عند الفاربي - لا تكمن في مادة المعاني من حيث جلالها، وهوانها، أو صدقها، أو كذبها، ولكن من خلال الشكل أو الطريقة التي تبرز فيها (20) .

وبناء على هذا الفهم، فإن العلة الصوريّة أقوى العلل وأهمها، وهي - عند الفلاسفة - تعني حسن التأليف والتخييل، لكنّ التخييل عند الفارابي قياس منطقي كاذب، ولهذا يقول فيه: إنه [ نوع من أنواع السولو جسموس [القياس ] أو ما يتبعه من استقراء ومثال وفراسة] (21) ، ولهذا كان للتخييل في الشعر قيمة العلم في البرهان، والظن في الجدل، والإقناع في الخطابة على أن كلمة [ الكذب ] عند الفارابي ليست تهوينًا لقيمة الشعر، وهو أمر أساء قدامة فهمه حين قال: [ إن الغلو عندي أجود المذهبين، وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء قديمًا، وقد بلغني عن بعضهم أنه قال: أحسن الشعر أكذبه، وكذلك يرى الفلاسفة اليونانيون في الشعر على مذهب لغتهم ] (22) .

صناعة الشعر:

وقد قادتْ فلسفة الهيولى والصورة قدامة بن جعفر، وغيره من الفلاسفة المسلمين، إلى النظر إلى الشعر بوصفه صناعة من الصناعات، لكنها صناعة عقلية واضحة لا ترتد إلى حكم الذوق الجمالي، بل ترتد إلى حكم عقلاني، منطقي، وقد يتوقف هذا الحكم عند نوع من التناسب القائم في الصناعة، لكن هذا التناسب لا يغادر مبدأ الانسجام العقلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت