فالمادة - عند ابن سينا - جزء لا يتجزأ من قوام الشيء، والصورة ماثلة بالقوة في هذه المادة، والصورة [هي ما يجعل المادة التي بالقوة شيئًا بالفعل ] (15) ، ولهذا فإن الصورة لا يمكن أن توجد مفارقة للمادة (16) ، فهيولى الشيء حاملة لصورته بالضرورة، ولهذا فإن جوهر الأشياء ماثل في هذا المدرك الحسي، وفي ضوء هذه الفلسفة الأرسطية رأى قدامة [ أن المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة من أنه لا بدّ فيها من شيء، موضوع يقبل تأثير الصور منها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصياغة ] (17) ، وعلى هذا الأساس لا ينبغي أن يحكم على المعنى من جهة رفعته أو ضعته، أو ما فيه من الرفث والنزاهة، والبذخ والقناعة، وغير ذلك من المعاني الحميدة والذميمة ولكن يحكم عليه من خلال بلوغه [ التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة ] (18) ، هذه المعاني الشعرية أو الأفكار مرتبطة بالصناعة الشعرية، وبدرجة الإجادة فيها، ولكن هذه الأفكار منعزلة تمامًا عن الارتباطات النفسية القائمة حولها، وهي ارتباطات تدرك بالعقل في تصور قدامة، لا بالذوق، فإذا كان امرؤ القيس قد وصف نفسه بسمو الهمه، وقلة الرضى بدنيء المعيشة، في قوله:
فلو أنّ ما أَسْعى لأدَنْى معيشَةٍ ... كفاني - ولم أَطْلُبْ - قليلٌ من المالِ
ولكنّما أَسْعى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ المُؤثَّلَ أَمثْالي
فإنه قد وصف نفسه بالقناعة، والاكتفاء بالقليل من الأقط والسمن، في قوله:
فَتْمَلأَُ بَيْتَنَا أَقِطًا وَسَمْنًَا ... وَحَسْبُك من غِنى شِبَعٌ وَرِيُّ