ومهما يكن من أمر، فإن هذا الحدّ الذي قدمه قدامة للشعر لا يميز الشعر الجيد من الشعر الرديء، ولكن الذي يميز ذلك، هو إتقان الصناعة الشعرية، فإذا كانت كل صناعة تسعى إلى غاية الجودة، أو قد تنتهي إلى الرداءة، فإن الصناعة الشعرية شأنها شأن الصناعات الأخرى، قد تصل إلى غاية الجودة، أو تنزل إلى غاية الرداءة، فجميع ما يؤلف ويصنع، ويعمل، على سبيل الصناعات والمهن [ فله طرفان: أحدهما غاية الجودة والآخر غاية الرداءة، وحدود بينهما تسمى وسائط، وكان كل قاصد لشيء من ذلك، فإنما يقصد الطرف الأجود، فإن كان معه من القوة في الصناعة ما يبلغه إياه سمي حاذقًا تام الحذق، وإن قصر عن ذلك نُزَّل له اسم بحسب الموضع الذي يبلغه في القرب من تلك الغاية والبعد عنها ] (11) ، ولا تختلف كثيرًا كلمة صناعة عن المعنى الذي تؤديه كلمة العلم، فإذا كان العلم يتناول الجانب النظري للشيء، فإن الصناعة تقف عند الجانب العملي له، فالصناعة،
هي [ العلم المتعلق بكيفية العمل ] (12) .
البعد الفلسفي للنظرية:
وكلمة الصناعة عند قدامة، وغيره من النقاد الفلاسفة تتصل اتصالًا وثيقًا بفلسفة الهيولى، والصورة عند الفلاسفة، فلقد أشار شرّاح أرسطو من الفلاسفة المسلمين إلى أن كل شيء له هيولى، وصورة، والعلاقة بينهما وثيقة، فلا يمكن تصور هيولى بلا صورة، أو صورة بلا هيولى، على أن المادة الواحدة يمكن أن تتشكل بأشكال مختلفة، فالخشب لدى النجار لا قيمة ذاتيه له إلا من خلال الأشكال التي يتشكل بها، كالباب، والكرسي، والخزانة، وكذلك [ كل مصنوع لا بُدّ له من هيولى وصورة يركب منها ] (13) ، ولقد أشار ابن سينا - بعد قدامة - إلى أن كل جسم طبيعي فهو [ متقوم الذات من جزأين، أحدهما يقوم فيه مقام الخشب من السرير، ويقال له هيولى، ومادة، والآخر يقوم مقام السرير، ويسمى صورة ] (14) .