يعود حازم إلى زمانه الماضي القديم، ومن خلال هذه العودة يأخذ المتلقي معه في عرض لمحاسن بلده، ومرائي الجمال في طبيعتها الأرضية والعلوية، ويرجع من خلال ذكرياته إلى معاهد أنسة ولهوه، فيبالغ في وصف أرض الأندلس، ويشبهها بجنة الخلد، وقد استطاع أن يشركنا معه في هذه الصورة التي رسمها لجمال بلاده ذات الرياض المتعددة، فتجري فيها الأنهار من ماء، ومن خمر، ومن رسل؛ لأنها جنة في خياله، ويبيّن لنا كثرة أمكنة اللهو والمتعة من خلال تقسيمه للأيام بين منظر ممتع يجول فيه، وبين مسمع يُسعد به. ويعدد من استخدامه لأسماء الزمان والمكان في الصورة، وخاصة اسم المكان ليشير من خلال ذلك إلى جمال، وسحر بلاده، وقد بدا ذلك في"منظر، مسمع، ومنعم، مطعم، مشرب، ومركب، مجلس، مدرسٍ، محضر، منتدى"، ولم تخل صورة حازم من التجسيم في قوله"أملأ سمعي"، فالصورة كثيرة الحركة مليئة بالحيوية والتأثير الجميل في النفس.
ومن صوره الجميلة التي تدلُّ على روعة إبداعه نقرأ من قصيدته الجيمية التي ذاع صيتها عند الحذاق من أهل الأدب قوله (1) :
أدرِ الزُّجَاجَةَ فَالنَّسِيمُ مُؤرجٌ ... وَالرَّوضُ مَرقُومُ البرُودِ مُدبَّجُ
وَالأرضُ لابسةٌ بَرُودَ محَاسِنٍ ... فكأنَّمَا هي كَاعِبٌ تََتبرَّجُ
والنُّهى لمَّا ارتَاحَ معطَفَهُ إلى ... لُقيَا الرِّيَاحِ عُبَابُهُ مُتَموِِّجُ
يُمسِي الأصيلُ بِعَسجديِّ شُعَاعِهِ ... أبدًا يُوشيِّ صَفْحَه وَيُدبِّجُ
ظاهرة واضحة في شعر حازم وهي تشخيصه لمظاهر الطبيعة، ففي هذه الصُّورة يوظّف من الألوان البيانية التشبيه، ويأخذ من واقع الناس الملموس صورة تروق للنفس شبّه من خلالها الأرض وما فيها من خضرة، وأزهار، وورود متفتحة تنشر الروائح في كلِّ مكان بفتاة جميلة متبرجة. وينقلنا إلى تشخيص آخر للرياح إذ تبدو فيها الحركة والتموج، ونلقى صورة تشبيهية أخرى لأشعة الشمس الذهبية التي تظهر على مياه الأنهار.