الصفحة 8 من 26

وإن كان هروب حازم إلى الطبيعة ووصفها والاعتماد عليها في مصادر صوره، يجنبه البوح عن مشاعره الحزينة بصورة مباشرة، فذلك لأن الطبيعة وما فيها، وما كان يحدث في ربوعها أيام صباه، وتذكر هذه الأيام وأحداثها هو الطريق الأمثل لصبِّ هذا الشوق، ولنقرأ قوله في المقصورة عن ذلك [1] :

أينَ الزَّمانُ النَّاضرُ الطَّلقُ الذي ... كَمْ قرَّ فِيهِ نَاظِرِي بِمَا رَأَى

أملأ سَمعِي وَيَدِي، مِنْ كُلِّ مَا ... تَهْوَاهُ نفسِي، منْ غِنَاءٍ وَغِنَى

في بُقعَةٍ كَجَّنةِ الخُلدِ التي ... يَرَى بِهَا كُلُّ فُؤادٍ مَا اشتَهَى

تَجرِي بهَا الأنهَارُ: مِنْ مَاءٍ، وَمِنْ ... خَمرٍ، ومن رُسلٍ، وَأرىٍ قَدْ صَفَا

أقسِّمُ الأيَّامَ: بِينَ منظرٍ ... وَمَسمَعٍ يَسبِي العقُولَ وَالنُّهَى

وَمنعِمٍ بِمَطعَمٍ، ومَشرَبٍ ... يُرضِي العيونَ وَالأنُوفَ وَاللَّهَا

وَمَركَبٍ لِمَأنسٍ، وَمَجلِسٍ ... في مَدرَسٍ، وَمَحَضرٍ في مُنتَدَى

(1) ديوان حازم القرطاجني: تح: عثمان الكعاك، نشر وتوزيع دار الثقافة، بيروت، لبنان، 1964م، ص 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت