هذه صورة لروضة من رياض الأندلس، عمد فيها الشاعر إلى التشبيه المحسوس، فنرى البنفسج قد ارتدى زرقة الجو الصافي، والسوسن لامعة يديه تشبه الذهب في صفرته. وهنا يلجأ حازم إلى"التشخيص"، فيجعل الورد كريمًا جوَّادًا، لأنه نشر رائحته الجميلة، وشخّص"شقائق النعمان"التي مالت بوجهها خجلًا أمام الورد الجواد.
واعتمد من خلال صورته المستقاة من الطبيعة على الحواس، فنجد حاسة الشم"تبدو في رائحة الورد الجميلة، وكذلك في"الخيري" الذي ينشر أجمل رائحة في الليل، وفي نشر النَّمام عن رائحته، وما في الطبيعة من زهور وورود فواحة. فقد شخّص كلَّ هذه المظاهر الطبيعية، وأضفى عليهما صفات البشر، فنحسّ ونحن نقرأ هذه الصورة وكأنها تتحدث عن أشخاص يقومون بهذه الأفعال. ولم تخل الصورة من الألوان البيانية، والمحسنات البديعية التي ساعدت على إعطاء الصورة جوًا من التأثير والحيوية في هذه الطبيعة، إذ إن الاتجاه إلى وصف روضة والزهور، والاهتمام بعنصر"التشخيص"في الصورة، وتحويل الجامد إلى كائن حي، كان اتجاهًا غلب على أكثر شعراء الأندلس، الأمر الذي يجعل تقاربًا وتشابهًا كبيرًا بين اللوحات المرسومة عند أكثرهم."
ويعلّق على هذه الظاهرة الدكتور فوزي عيسى بقوله [1] "عنصر التشخيص وخلع الصفات الإنسانية على المنظر الطبيعي ظل صفة لازمة في أوصاف الشعراء للرياض، ونستطيع أن نلمس هذه الظاهرة في أغلب روضياتهم".
(1) الشعر الأندلسي في عصر الموحدين، ص 140.
(5) قصائد ومقطعات، ص 27.