لقد حظيت الرياض بنصيب وافر من عناية شعراء الطبيعة في الأندلس، فرسموا لها لوحات كثيرة، صوروا فيها ما تشتمل عليه الروضة من أشجار وأزهار وجداول وطيور.
ولعلَّ كثرتها بشكل طبيعي هو الذي جعل شعراء الأندلس يهتمون بوصفها، ويعجبون بما فيها من زهور، وأنوار كثيرة جميلة.
وحازم عندما يصور الرياض والزهور، يطنب في وصفه، فيوسع في أبعاد الصورة وربما يذهب ذاهبٌ إلى أن ذلك يرجع إلى محاولة الشاعر في نقل صورة من الطبيعة إلى المتلقي، ليحسَّ فيها بجمال الورود فيستطيع إدراكها بحواسه البصرية والشمية، ولكن ما يريد الشاعر إظهاره من خلال إطنابه، وتوسعه في وصف هذه الطبيعة هو حنينه وشوقه الدفين في نفسه إلى بلاده، فنجده في أكثر من عشرين بيتًا يصف روضة مزهرة، يعرّج في وصفه على البنفسج وما فيه من جمال، والسوسن الذي يملأ يديه بالتبر، والورد الذي يمنح الروائح الطيبة، ومن ذلك قوله [1] :
قَدْ ارتَدَى البَنَفْسجُ النَّضرُ بهَا ... مِن زُرقةِ الجَوِّ الصَّريحِ مَا ارتَدَى
وَمَلأَ السَّوسنُ بالتِّبرِ يَدًا ... وَفَتَحَ الأَنمُلَ مِن فَرْطِ السَّخَا
وَمَنحَ الوردُ النَّسيمَ عرفَهُ ... مَنْحَ الجوادِ عُرفَهُ مَنْ اجتَدَى
وَلَمْ يجُدْ كجُودِه شقيقُهُ ... فَأظهَرَ الخَجْلةَ مِنْهُ وَاستَحَى
وَأظْهَر الخَيريُّ صدقَ نِسبَةٍ ... لمَّا انتمَى لِلخيرِ فِيهَا وَاعتَرَى
وَصرَّح النَّمَّامُ عمَّا نمَّ مِنْ ... أسرَارِهِ تَحتَ الدُّجَى وَمَا كَنَا
وَحَدَّق النَّرجسُ فِيه حدَقًا ... فَرَاقَ منها الطَّرْفَ طرفٌ قَدْ سَجَا
وَالياسَمينُ مُؤيسٌ نَضِيرُهُ ... مِنْ أنْ يُرَى نَظِيرُهُ وَيُجتَلَى
(1) قصائد ومقطعات: أبو الحسن حازم القرطاجني، تح:د.محمد الحبيب ابن الخواجة، الدار التونسية للنشر، تونس، سنة 1972م
ص 38