والطبيعة صنو الإبداع الفني، وهي المعشوقة الملهمة التي يثلج جمالها صدر الشاعر فيناجيها؛ لذلك نجد الطبيعة بكل مظاهرها المختلفة، وأمكنتها المتباينة، والأرض وما تحتويه، من أشجار، ورياض، وأنهار، وجبال، وما عليها من طبيعة علوية، من نجوم وكواكب، وشمس، وقمر، وصبح، وظلام، والجو بشتائه، وربيعه، وخريفه، وصيفه، وطيوره، وغيرها، كلُّ هذه العناصر تعدُّ مصدرًا مهمًا من مصادر الصورة الفنية عند حازم.
ولم يكن حازم وحده الذي فتن بالطبيعة، ولكننا نجد أكثر شعراء الأندلس يتجهون إلى الطبيعة ويتغنون بها، ووصل بهم الأمر إلى إضفاء الحياة عليها، وفي ذلك يقول الدكتور فوزي عيسى مبينًا أثر الطبيعة في شعراء الأندلس:"فتن شعراء الأندلس بطبيعة بلادهم، فتوافروا على وصفها، وأكثروا من التغني بمناظرها الجميلة، وعبروا عن كلفهم بها في لوحات شعرية بديعة، وتفننوا في هذا المجال تفننًا واسعًا حتى صار وصفهم للطبيعة من أهم الموضوعات التي طرقوها، وأحرزوا قصب السبق فيها على المشارقة" [1] .
والشاعر"ابن بيئته"، وقد توافرت لحازم الطبيعة المحسوسة في الأندلس بكل ما فيها، وكذلك الطبيعة التونسية ذات القصور، والمنشآت الحضارية العريقة، فكان من الطبيعي أن يتأثر بهذه الطبيعة، ويقوم بوصف ما فيها من رياض ومنتزهات وأنهار.
وقد شاع في أغلب مصادر الصورة الفنية المنطلقة من الطبيعة الأندلسية وصف الرياض والزهور ووصف الأنهار ومياهها، وما عليها من دواليب منصوبة، ووصف للسحاب وتتبع لحركته، وذكر المدن ومحاسنها التي أغرم بها حازم [2] ، فتعددت العناصر وتمازجت، وأول هذه العناصر الطبيعية: الرياض.
(1) الشعر الأندلس في عصر الموحدين: د.فوزي عيسى، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص 128.
(2) الصورة الفنية في الشعر العربي - مثال ونقد: د.إبراهيم عبد الرحمن الغنيم، نشر الشركة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، سنة 1996م، ص 41.