ممّا لا شكَّ فيه أن أبا الحسن حازمًا بن محمد بن حسن بن محمد بن خلف بن حازم الأنصاري القرطاجني الذي امتدت حياته من سنة (608 - 684 هـ) يعد أحد أدباء الأندلس وعلمائه البارزين في مجال الشعر والنقد، ذاك أنه درج على ملاعب الحياة ستًا وسبعين سنة. وانبجست شاعريته في ميعة صباه، فعزف على قيثارة الشعر والنقد سبعة عقود ونصف، عزف عليها ناقدًا حاذقًا بليغًا، وشاعرًا مصداحًا، جلّى تجربته الشعرية، بل الشعورية في ديوان ومقصورات يستحق أن يسمى بصاحب المقصورات، قياسًا على صاحب المقامات (الهمذاني) .
لقد انتزع صوره الفنية من عناصر الكون المختلفة، التي انمازت بأشكال وصيغ التعبير المتعددة، وتنوعت أساليبه التعبيرية من خلال استخدامه للصورة الفنية المعبرة عن طبائع النفس، وأغراض الحياة، وأهواء القلوب، تسعفه ثقافة غزيرة، في عصر بلغ سمت الثقافة، وذاكرة قوية، وخيال جدّ خصيب ضرب به المثل، وتجربة شعورية يعيشها في دواخله، تصهر ما أدركته حواسه، مع ما يشعر به من هواجس وانفعالات نفسية يتشكل منهما نسيج الصورة الفنية الملونة بريشة الأسطورة حينًا، وباستيحائه رموزًا تاريخية مستقاة من تراثه العربي الإسلامي خاصة، ومن التراث العالمي عامة حينًا آخر، تداعى له بثقافة واسعة، وبصيرة واعية.
لقد شهد حازم القرطاجني سقوط الأندلس، فتوهجت عنده قيمة الكلمة، وشمخت من لدنه دفقة الموسيقا، فعلت إيقاعاتها، وغلت نبضاتها، فعظم تصويره الفني بعد أن انصهر عالمه الخارجي بعالمه الداخلي في بوتقة خضراء هي شعره الخالد. ...