أمَّا وصفه لقرطاجنة ومرسية، وذكره لأغلب الأمكنة التي عاش فيها بطريقة فنية رائعة فكان من الطبيعي أن تأتي صوره الأندلسية أقوى تأثيرًا وإحساسًا، لأنها تصدر عن نفس الإحساس الذي يكمن في نفس الشاعر، وهذا يكون عكس الصور التونسية التي يبالغ فيها حازم في مدح الخليفة، الأمر الذي يوقعه في بعض الأحيان في المبالغة والتكلّف وتكرار الصور التي ذكرها من قبل، فهو مثلًا دائمًا يكرر من صور خروج الممدوح إلى المصلى في العيد وحالة الناس حوله، فنلحظ بذلك تقاربًا وإعادة للصور السابقة نفسها التي وردت في هذا المجال، كما يكرر من صور وصفه للجيش وصورًا أخرى كثيرة.
إن عقد المقارنة بين الصور المستقاة بين الأندلس وتونس ستجرنا إلى أبعد من ذلك، ولكننا لا ننفي قوة عاطفة الصور المستقاة من الطبيعة الأندلسية، ولا نصف الصور المستقاة من الطبيعة التونسية بالضعف، ولكن كلها صور جاءت من طبيعة قد هيئت للشاعر في الأماكن التي أقام فيها، فأبرزها لنا في شكل جميل يدرك بالحواس ويدرك بالعقل...
خاتمة:
يتضح لنا مما سبق أن الطبيعة تعدُّ مجالًا خصبًا لمصادر الصورة الشعرية عند حازم،فقد بثَّ في عناصرها الحركة والحياة،وأكثر من تشخيصها.
وكان من تشخيصها وشدة تعلقه بها، وصدق عاطفته نحوها، من أسباب إلحاحها على حواسه وخياله، الأمر الذي حدا به إلى توظيف عناصرها في صور الموضوعات المختلفة، كالمديح والصف والغزل.
وحازم فتن بالطبيعة الأندلسية بكل ما فيها من جمال، وكذلك الطبيعة التونسية ذات القصور، والمنشآت الحضارية العريقة، فتأثر بهذه الطبيعة تأثرًا واضحًا في أشعاره.