الصفحة 23 من 26

ويكثر من هذه الطبيعة؛ لأنه لا يجد أمامه إلاّ هذه الطبيعة يصب من خلالها الألم والحسرة اللتين تعتلجان في صدره، وذلك بسبب هجرته ونفيه إلى تونس التي تختلف عن الأندلس في كل شيء.. وإضافة إلى ما سبق هي محاولة عن طريق خفي لإبراز مظاهر الجمال في الأندلس وسحرها ليحرض بذلك الأمراء الحفصيين لاسترجاعها.

أمَّا في تونس فالحياة تختلف، إذ فَقَدَ الشاعر أصدقائه وأصحاب شبابه، واضطرته الظروف إلى أن يعيش معزولًا، وخاصة بعد ارتباطه بالسلطان الحفصي، فضلًا عن ذلك الإحساس المرير الذي عاناه في غربته، فجاءت الصورة في تونس بين الصدق الواقعي المنقول بصراحة أحيانًا، وبتكليف واضح أحيانًا أخرى؛ لأنها تعتمد على المدح وإضفاء صفات للممدوح تصل إلى المبالغة التي ظهرت في أكثر الأحيان"بالغلو"و"الإفراط"

ونحن لا نوافق من ذهب إلى أن"الصور المستقاة من الطبيعة الأندلسية قليلة، وأنها أضعف عاطفة" [1] .

فبالنسبة لقلة الصور المستقاة من طبيعة الأندلس، هذا يناقضه كثرة ما جاء عن الطبيعة الأندلسية من صور في مقصورة حازم التي تجاوزت الألف بيت، نصيب الأندلس من هذه الأبيات أكثر من مئتي وسبعين بيتًا، كما تشغل الأندلس أكثر أبيات قصائد ومقطعات حازم التي وصلت إلى خمس وخمسين قصيدة ومقطوعة، وهذا الأمر كان طبيعيًا، لسبب ارتباط حازم بهذه البلاد التي عاش فيها أغلب حياته.

أمَّا العاطفة التي سيطرت على الشاعر، فقد كانت قوية، لأنها تصدر عن إحساس مرير يعيش في غربة زمانية ومكانية، فكان من الطبيعي أن تأتي هذه العاطفة صادقة معبرة عما في داخل الشاعر. والمتتبع لهذه الصور يجد أن حازمًا وصف كل شيء في بلاده وكأنه يراها أمام عينيه، ويتفاعل معها، وقد ظهر ذلك من خلال وصف الرياض والأنهار والسحاب فيحسُّ القارئ معه بأنه يعيش في هذه البلاد.

(1) 30) الصورة الفنية في الشعر العربي - مثال ونقد، ص 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت