وَدَّتْ ميَاهُ الأرضِ أنْ تَحْظَى بِمَا ... قَدْ حَظِي المَاءُ الذي فِيهَا جَرَى
أَجرِيَتَ مَنْ عَينٍ وَمِن عَينٍ بِهَا ... نَهرينِ قَدْ عمَّا البَرَايَا وَالبَرَى
إنه يشخّص الماء ويجعل لها أمنيات، وذلك من خلال ما نالته مياه تونس من فضل وعظمة ممدوحه، وما قام به من تجديد الموارد وتنميتها، ثم يبيّن لنا أثر هذه العيون الكثيرة على الناس. ثم نجده يصوّر ما تم إنشاؤه على هذه الموارد بقوله [1] :
أُقِيمَتْ عَليِه من رُخَامٍ وَمَرمَرِ ... قسيٌّ أقَامَتْهَا الأكُفُّ الدَّوارِبُ
قسيٌّ قَدْ اصطَفَّتْ فَرَاقَ انتِظَامُهَا ... كَمَا رَاقَ نَظمُ اللؤلؤ المُتَنَاسِبُ
وَزِينَتْ بِألوانٍ تَرُوقُ كَمَا اكتَسَتْ ... بِأوشيَةِ الزَّهرِ الرِّيَاضُ العَوَازِبُ
ينقل حازم ما تمَّ عمله على الموارد، فنجد أقواس الرخام والمرمر، وهي على شكل منتظم ومتقن، وقد زينت بأجمل الألوان والأشكال التي تحسُّ من خلالها وكأنك في روضة مزهرة جميلة. وعناصر الصورة من لون في "رخام مرمر، اللؤلؤ، الرياض"، والحركة في"أقيمت، اصطفت"، فالصورة مرسومة وكأننا نراها بالعين."
وهكذا بدت لنا صور حازم في تونس معبرة عما في نفسه من صدق شعوري لهذه المظاهر التي يراها بعينه ويحسُّ بها.
ونستطيع أن نوضح الفرق بين الصور المستقاة من الطبيعة الأندلسية، والطبيعة التونسية.
إن أكثر الصور جاءت معتمدة على الطبيعة الأندلسية، ويرجع ذلك إلى نشأته في الأندلس في فترة صباه، وشبابه، وذكرياته الجميلة التي كان يسعد بها في ظل هذه الطبيعة المتعددة الرياض، والأنهار والتي كانت تتمتع بالجو المعتدل.
(1) 29) ديوان حازم، ص 20.