يصوّر حازم هذا القصر وما فيه من جمال، فهو مقام على حافة بحيرة عذب ماؤها، وتحوطه أشجار كثيرة تجعل الحرارة فيه معتدلة، وينعم هذا القصر بهذه الأشجار التي تلطف له الهواء، وهو قصر كثير الروائح الطيبة لكثرة الأزهار فيه، والرياض التي تبدو ناضرة متفتحة.
ويدقق في وصفه للقصر، فيجعلنا نعيش هذه الطبيعة التي يرسمها لنا بكل حواسنا، ففي حاسة الذوق يمكن أن ترى ذلك في"عذوبة الماء"، ولحاسة البصر نجد:"قصر تراءى"و"الظلال"و"زهر الروض"و"غصن"، ولحاسة الشم نجد في صورته"مفعم الأرجاء"و"الزهر النضير"، ولحاسة اللمس توظيف كذلك في قوله:"غصن ناعم"، وللسمع كذلك مساحة في صورته وذلك من خلال الألفاظ الآتية:"رها - نسيمة- أتا"
واستعانة حازم في صورته بهذه الحواس الخمس التي يقلُّ توظيفها في صورة واحدة،دليلٌ على حسن وجمال هذا القصر، ودقته في وصفه، وإدراكه الصحيح لدور الحواس في الإحساس بالجمال ؛ لأن الزائر لهذا القصر والداخل فيه حقيقة لابد أن يُمتِّع نظره بالمناظر الجميلة، وأن يشمَّ أطيب رائحة من خلال الزهور، وأن يتذوق ما فيه من مياه عذبة وأن يحسَّ بالملمس الناعم للرخام والمرمر ولكل شيء فيه، وأن يسمع أصواتًا للطيور تشدو، وهديرًا للمياه التي تصبُّ من جدول إلى آخر، ومن قناة إلى أخرى. وبجانب ذلك نلاحظ استعانة حازم بالألوان البيانية في هذه الصورة، وتوظيفه للتشبيه في"كأنه ملك جبى نسيمه"و"بحر سلسل"و"غصن ناعم"، فهذه الاستعانة بالمحسنات ساعدت على إظهار الصورة بكل ما فيها من جمال وسحر وتأثير.
ومن الطبيعة التونسية يهتم بموارد المياه التي جددها الأمير الحفصي المستنصر، وقد كان لتلك الموارد شأن عظيم عند سكان تونس، ولكنها معطلة منذ وقت طويل، فكان لتجديدها أثر كبير على الناس، ومن بين هذه الصور لهذه الموارد، وأثرها على الناس نقر [1] أ:
(1) 28) المصدر السابق، ص 22.