وتتآزر الصورة وتترابط من خلال البيت الثالث الذي يصور فيه تعلق قلوب الناس بتونس بسبب الكرم الذي يمنحه الخليفة لهؤلاء الناس، والذي يشبه الغيث، ونلمح"التجسيم"في الشطر الثاني من هذا البيت في قوله"غيثًا من الإحسان منسجمًا".
ويتضح لنا من خلال هذه الصورة، بأن حازمًا يعلي من شأن تونس ليس لحبه لها ولكن لحبه لممدوحه الذي يتمنى أن يقوم باسترداد بلده الأندلس التي تشبه تونس في جمالها. وكثيرًا ما يقارن بينهما في شعره في صورة واحدة حتى يقنع الخليفة بأنها ساحرة تستحق هجومك على الأعداء، وإعادتها إلى أهلها مرة أخرى، ويمزج بين تونس والأندلس وجمالهما بقوله [1] :
قَدْ ندَّ فِيهَا الأسى عن أهلِ أندَلُسِ ... والأُنسُ فِيهَا عَليهِمْ وَفدُهُ قَدِما
وأُبدَلُوا جنَّةً من جنَّةٍ حُرِمُوا ... مِنهَا وَقَدْ بُوِّؤا من ظِلَّها حَرمَا
فبتونس أحسّ أهل الأندلس بالأنس بعد الأسى الذي رأوه من هجرتهم وغربتهم، وأبدل لهم الله جنة في تونس حرموا منها في الأندلس. وحرص حازم على إعطاء الصورة جوًَّا من البهجة والسرور باستخدام التضاد"الأسى"و"الأنس"وهو دقيق في اختياره لألفاظه، فحين وصف الأندلس بأنها"جنة"حرموا منها، جعل التشبيه نفسه لتونس بأنها"جنة"عاشوا في ظلها بعد الحرمان. ومن الصور التي اعتمد فيها على الطبيعة التونسية وصفه لقصر أبي فهر الذي أنشأه الحفصيون، وذلك في قوله [2] :
قَصرٌ تَرَاءى بينَ بحرِ سَلْسَلٍ ... وسَجْسَجٍ من الظِّلالِ قَدْ ضفا
بُحَيرَةٌ أعْلَى الإلَهُ قَدرَهَا ... قَدْ عَذُبَ المَاءُ بِهَا، وَقَدْ رَهَا
وَمُفعَمُ الأرجَاءِ، كَمْ مِنْ نَاظِرٍ ... سَافرَ فيهِ من رَجًا إلى رَجَا
كأنَّهُ مَلْكٌ جَبَى نسِيمُهُ ... من زَهرِ الرَّوضِ لهُ مَا قَدْ جَبَى
أدَّى إليه كُلُّ غُصْنٍ نَاعِمٍ ... إتَاوةَ الزَّهَرِ النَّضَيرِ، وَأتَا
(1) 26) المصدر السابق، ص 124.
(2) 27) قصائد ومقطعات، ص 24.