تلقّى أبو عليّ ثقافته الأولى في مسقط رأسه ( فسا ) فقد حصل فيها على المبادئ الأولى للدارس من حفظ القرآن والحديث والفقه وبعض شعر العرب. فلمّا انتقل الفارسيّ إلى بغداد، وأقام في بلاط المعتضد التقى أعلام العلماء الذين ملأت شهرتهم الآفاق.وقد كانت حياته حركة دائمّة، وعلمًا متّصلًا انطلق في طلب العلّم تدفعه إليه الرّغبة الجّامحة والجدّ والقريحة الصافية حتى ضارع أئمّة عصره، وتدلّ أسماء مسائله على تنقله، وترحاله في سبيل طلب العلّم. ونال ما كان يرجوه فعلا شأنه، وتصدّر مجالس العلم والتّدريس [1] 0 فقد عاصر الفارسيّ الرماني، والسيرافيّ، وابن السراج، والزّجاجيّ، وغيرهم، وكان واحدًا منهم، وربّما تفوّق عليهم علمًا وشهرة. غير أنّ الفارسيّ لم يكتفِ بما سمع من هؤلاء فحسب، وإنّما اطّلع على مؤلّفات سابقيه التي استفاد منها كثيرًا كـ سيبويه، والأخفش الأوسط، والكسائيّ، والفرّاء، والمازني، والمبرّد..، وغيرهم ممن اشتهروا في النّحو وعلا ذكرهم. وأبو عليّ باتصاله بهؤلاء الأئمّة وأخذه عنهم، واطّلاعه على كتبهم، استطاع عن جدارة أن يكون من أئمّة العربيّة، وأغزرهم مادّة وأوسعهم اطّلاعًا. حيث أثنى تلامذته ومترجمو حياته عليه ثناءً جَمًّا متنوّع العبارة، يكاد لم يحظَ به أحد من نحّاة القرن الرابع الهجري، فكانوا يقرنونه بسيبويه، ويفضّلونه على المبرّد فهو أستاذ عصره، ومتقدّم أهلِ الصّنعة في زمانه، وأنحى من جاء بعد سيبويه. [2]
كتبه:
(1) ـ ينظر معجم الأدباء، 7/257، ، والبلغة في تراجم أئمّة النّحو واللّغة، ص81، وغاية النهاية، 1/207.
(2) ـ ينظر نزهة الألبَّاء، ص232، معجم الأدباء، 7/ 239، وينظر نزهة الألبَّاء، ص232، إنباه الرواة، 2/274.